قصة الغابة و المدينة

مصنف: قصص حيوانات - -
1020 0
قصة الغابة و المدينة

خرج النمر طلعون إلى أطراف الغابة ليمارس رياضة المشي، ويستنشق الهواء البارد ، ولما اقترب من المدينة المجاورة وصلت أصوات الناس والسيارات إلى سمع النمر طلعون ، فحمله حب الاستطلاع على الخروج إلى حدود الغابة ، ليرى ماذا يدور في المدينة ويستطلع الأمر .

لما خرج النمر طلعون ، فاجأه ما رآه من سيارات ذات ألوان مختلفة ، تسير في سرعة ذهابا وإيابا ، ورأى الناس يلبسون ثيابا جميلة ، ويعيشون في بيوت عالية .

تقدم النمر طلعون إلى داخل المدينة قليلا فوجد رجلا يسير على جانب الطريق، فتقدم منه وحاول الحديث إليه ، ولكن بمجرد أن رآه الرجل فرّ هاربًا ، والرعب يملؤه ، فناداه النمر طلعون : لماذا تخاف مني؟ فقال الرجل  : أخاف من أن تأكلني .

لا تخف مني، فما جئت لأكل أو افترس.

لما جئت إذن ؟

جئت أستطلع مدينتكم ، فأنا أسكن الغابة المجاورة لكم ، وهذه أول مرة أخرج من الغابة إلى مدينتكم ، لقد أعجبتني السيارات بألوانها ، والمباني العالية ، كما اعجبتني أيضًا ملابسكم الجميلة ، إنكم حقًا تعيشون في سعادة عظيمة .

وماذا عن حياتكم في الغابة ؟

إنها حياة كلها شقاء وتعب، نخرج في الصباح لطلب الرزق في الأرض ، وفوق الأشجار ، ومطاردة الفرائس ، والكل يحمل رزقه على ظهره ، عائدًا إلى بيته لإطعام صغاره ، فيعود آخر النهار منهكًا متعبًا ، ولا شيء يحمي الحيوانات من البرد والمطر ، أما أنتم فبيوتكم تحميكم ، وملابسكم تدفئكم ، ألا ما أسعد حياتكم وأتعس حياتنا !

ليست حياتنا بالسعادة التي تتصورها أيها النمر ، وإنما هناك أشياء كثيرة تجعل حياتنا مليئة بالشقاء و….

قاطعه النمر بغضب قائلاً : لا تحاول خداعي أيها الرجل ، فلن أحسدكم في شيء ، ولم آت لأستقر في مدينتكم ، أو أستولي على بيت أحد،

أنا لا أخدعك ، ولكنها الحقيقة ، وإذا أردت أن تستطلع الأمر بنفسك فلك ذلك .

نعم أريد أن استطلع الأمر بنفسي .

ولكن عدني أولاً ألا تؤذي أحداً مهما أثار غضبك وأياً كان الموقف

أعدك ، لك ذلك .

سار الرجل ومعه النمر طلعون إلى أحد المتاجر الكبيرة الخاصة بالمواد الغذائية ، ولما اقترب النمر طلعون من الناس أصابهم الرعب ، فطمأنهم الرجل أن النمر لن يؤذي أحداً، وإنما جاء فقط مستطلعًا … وفي المتجر رأى النمر طلعون الناس يحملون كميات كبيرة من البضائع ، ويضعونها في سيارتهم ، فسأل رفيقة : هل يأكل الناس كل هذه الأغذية ؟

نعم يأكلونها فتصيبهم بالتخمة والسمنة والأمراض .

إن الحيوانات في الغابة يأكلون ما يكفيهم ويدعون الباقي لغيرهم من الحيوانات .

أما نحن البشر فنأكل أكثر من حاجتنا ، ولا نسأل عن غيرنا .

وأخذا يسيران في الشارع ليشهدا المدينة معًا ، فمرت سيارة ونفثت كمية كبيرة من الدخان ، فكاد النمر طلعون ورفيقه أن يختنقا وظلا يسعلان …قال الرجل : هل يوجد مثل هذا في غابتكم ؟

إن الهواء في غابتنا نقي ونظيف .

وأكمل الرفيقان سيرهما في الطريق ، فوجدا رجلين يتشاحنان ويتشاجران ، وقد ملأ وجههما الغضب ، وبعد أن طمأنهما الرجل كالعادة سألهما النمر : لما هذا التشاجر والغضب ؟

إنه يريد أن يأخذ مكان سيارتي ؟

ألا يوجد مكان آخر ؟

بلى يوجد لأحدكما أن يؤثر الآخر اليوم ، وغداً تتبادلان الأماكن …صاح كل منهما في غضب شديد قائلاً : لا ، لن أترك له المكان في أي وقت ، واشتعل الموقف ، وتطاول الرجلان بالأيدي واللسان ، والنمر يقف مذهولاً ، وكيف لهؤلاء الناس – ذوي العقول – أن يفشلوا في حل هذه المشاكل البسيطة ؟

قال الرجل المرافق للنمر : ما رأيك يا نمر طلعون ؟

إن خلافاً لهذا السبب البسيط قد لا يحدث في الغابة …

وانصرفا ، وطوال اليوم تتكرر المواقف ومعها يتكرر تعجب النمر مما يرى من أحوال الناس … وفي نهاية اليوم قال الرجل للنمر : هل تريد أن تقول شيئًا ؟ … فقال النمر طلعون : نعم ، لقد أشفقت عليكم معشر البشر ، إن هذه الألوان الزاهية  تخفي ورائها شقاء قاتمًا ، وإن هؤلاء الناس الذين تحمل السيارات أثقالهم ، يحملون همومًا أكثر حملاً مما نتحمله نحن في الغابة من غذاء وصيد ، بل إننا نعيش في الغابة لحظات من الصفاء والسعادة واللعب والهدوء لم أر أحداً منكم أيها البشر يعيشها .

والآن ماذا ستفعل ؟

سوف أعود إلى جنتي ، أقصد غابتي ، وأترك جحيمكم ، أقصد مدينتكم.

error: النسخ ليس ممكناً