باب الفحص عن أمر دمنة

  مصنف: كليلة و دمنة - -
التعليقات على باب الفحص عن أمر دمنة مغلقة 587 0

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت حديثك في محال العدو المحتال كيف أفسد اليقين بالشبهة حتى أزال المودة وأدخل العداوة، فحدثني إن رأيت كيف اطلع الأسد على ذنب دمنة حتى قتله وكيف كانت معاذيره ومدفعه عن نفسه.

قال بيدبا الفيلسوف: إنا وجدنا في كتب خبر دمنة أن الأسد لما قتل شتربة ندم على معالجته بالقتل وتذكر حرمته. وكان من جنود الأسد وقرابته نمر كان من أكرم أصحابه عليه، وأخصّم عنده منزلة، وأطولهم به خلوة بالليل والنهار. وكان الأسد بعد قتله شتربة يطيل مسامرة أصحابه ليقطع عنه بحديثهم بعض ما قد داخله من الكآبة والحزن بقتله الثور. وإن النمر لبث في سمره ذات ليلة حتى مضت هدأةٌ من الليل. ثم خرج من عنده منصرفا إلى منزله. وقد كان منزل كليلة ودمنة قرب منزل الأسد فدنا النمر من منزلهما ليصيب قبساً يستضيء به وكانا مترافقين.

فسمع النمر محاورتهما ونصت لهما حتى سمع كلامهما كله، ووجد كليلة قد أقبل على دمنة يعذله ويقبّح له رأيه وفعله ويعظّم له جرمه ويوبّخه بغدره. وكان فيما أنبه به أن قال: إن الذي هيجت بين الأسد والثور من العداوة بعد المودة والفرقة بعد الألفة والشحناء بعد السلامة بسخافة عقلك وقلة وفائك لمظهر أمرك ومطلع طلعه، ولازمك من بغيه ما تستوبل عاقبته وتستمر مذاقته. فإن الغدر وإن لان عاجلُه واستحليت فروعه مرّ العاقبة بعيد المهواة وخيم المزلقة، وإني باجتنابك وترك مقارنتك والاقتداء بك لحقيق، فلست بآمن على نفسي من معرّتك وشرهك وغدرك. وقد قالت العلماء: اجتنب أهل الريبة لئلا تكون مريباً. فإني تارك مقارنتك ومتباعد منك ومغترب عنك لسوء أخلاقك التي بها أنشبت العداوة بين الملك ووزيره الناصح المأمون، فلم تزل بتشبيهك وتمويهك بالباطل حتى حملته على القسوة وأورطته الورطة فقتله مظلوماً بريئاً.

قال دمنة: قد وقع من الأمر ما لا مردّ له فدع تضييق الأمور عليّ وعلى نفسك فإني سأعمل في التغييب عن موقع الأمر في نفس الأسد. فقد كرهت ما مضى مني. والحسد والحرص حملاني على ما صنعت.

فلما سمع النمر ذلك من كلامهما انصرف خفيّاً مسرعاً حتى دخل على اللبوءة أم الأسد فأخذ عليها عهداّ ألا تفشي سرّه إلى الأسد ولا إلى غيره. فعاهدته على ذلك فأخبرها بالقصة على وجهها من قول كليلة وإقرار دمنة.

فلما أصبحت أم الأسد أقبلت حتى دخلت على الأسد فوجدته مكتئباً حزيناً لقتله شتربة فقالت: إن حزنك غير رادّ عليك مدبراً ولا سائق إليك نفعاً، وأنت غنيّ عن أن تجعله للبلاء عوناً عليك فتضعف به فؤادك وتنهك به جسمك وتحمل به المضرة على نفسك، وأنت بحمد الله بتحصيل الأمور رفيق بصير بصادرها وواردها. فإن علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أنك لا تُرجع به مدبراً ولا تسوق به إليك نفعاً فارغب عنه وانظر فيما يعود عليك نفعه. وإن اعتبار ما بلغك عن شتربة حتى يصحّ لك حقيق ذلك من باطله ليسير.

فقال الأسد: فكيف لي بذلك؟

قال أم الأسد: إن العلماء قد قالوا من أراد أن يعرف محبه من مبغضه وعدوه من صديقه فليعتبر ذلك من نفسه. فإن الناس على مثل ذلك له كما هو عليه لهم وإن أقنع ما شهد على امرئ نفسه. فلنا من قولك دليل على أن قلبك يشهد عليك بأنك عملت ما عملت بغير علم ولا يقين. وذلك فاعلم أنه رأس الخطأ. ولو كنت حين بلغك عن الثور ما بلغك كففت نفسك وملكت غيظك ثم عرضت ما بلغك عنه على قلبك بحسن النظر لاكتفيت بقلبك دليلاً على تكذيب ما أتاك عنه، لأن القلوب تتكافأ فيما يتلاقى بعضها من بعض في سرّها وعلانيتها. فقس أمرك وأمر الثور بموقع أمر كان في نفسك جنايته وموقعه اليوم بعد موته.

فقال الأسد: لقد أكثرت الفكر وحرصت على التجني على الثور بعد قتلي إياه لعلي آخذه في ذنب واحد كان فيما بيني وبينه أقوّي به تهمتي فما يزداد ظني به إلا حسناً وله وداً. ولست أتذكّر منه شرارة خلق أقول هي حملته على أن ابتدأني بالحسد ولا نقص رأي أتهمه به على طلب مغالبتي، ولا أتذكر مني إليه أمراً سيئاً أرى أنه دعاه إلى عداوتي. فإني أحب أن أفحص عن أمره وأبالغ في البحث عنه وإن كنت أعرف أن ذلك غير مصلح ما فرط مني. ولكني أحب أن أعرف موقعي الذي أنا عليه فيما صنعت من الخطأ أو الصواب. فأخبريني هل سمعت من أمره شيئاً تذكرينه لي.

قالت أم الأسد: نع قد بلغني أمر استكتمنيه بعض أهلك. ولولا ما قالت العلماء في إذاعة السر والتضييع للأمانات وأنت تترك ما لا نفع فيه وما منجى لأخبرتك بما علمت.

قال الأسد: إن العلماء لأقاويلهم وجوه كثيرة ومعان مختلفة وأحوال متصرفة، وليس في كل الوجوه أمر بالكتمان ولكل أمر موضع وخبر. فإذا كان في موضعه صلح العمل به ونفع، وإن كان في غير موضعه ضر وأفسد. فمما تعظم مضرّته ولا يرضى استقالته كتمان ما ينبغي له أن يعلن عذراً في إسراره ولا سعة في السكوت عنه. فإني أرى أن مطلعك عليه قد ألقى على نفسك وزره وحمّلك خيره وشرّه وأنت حقيقة بإظهاره، وحمله الوجل على نفسه من كتمانه، فألقي ما استودعت منه عنك بإفشائه إليّ وإظهاره.

قالت أم الأسد: قد عرفت الذي قلت وإنه كما قلت وإن كان في ما ذكرت ما يحملن يعلى كثير من الكلام لعلمي بموقع هذا الأمر في نفسك. فلا أراك إن كنت على ما أرى من الرأي أن يمنعك من العزم والمبالغة في نكال أهل الجريمة والغدر في اعتقاد الألفة والثقة والتصديق. فحدثني إن كان في نفسك مني حرج.

قال الأسد: ما في نفسي حرج ولا أنتِ عندي نمّامة ولا أنا في نصحك مرتاب ولا أرى عليك في ذلك من ضرر في إفشاء ذلك الأمر إليّ.

قالت أم الأسد: بل ضرر منه عليّ في خلال ثلاث: أما واحدة فانقطاع ما بين وبين صاحب هذا السر من المودة لإباحتي بسره، وأما الأخرى فخيانتي لما استُحفظت من الأمانة، وأما الثالثة فوجل من كانوا يسترسلون إلي قبل اليوم مني وقطعهم أسرارهم عني.

قال الأسد: الأمر على ما قلت وما أنا عمّا كرهت بالمفتش، وما يختلج في صدري الارتياب بنصحك، فأخبرني بجملة الأمر إن كرهت أن تخبريني باسم صاحب السر ما أسرّ إليك منه.

فأخبرته بجملة ذلك الحديث ولم تسمّ من ذكره لها. وكان فيما قالت أن قالت: إنه لا ينبغي للولاة والرؤساء استبقاء الخونة الفجرة أهل الغدر والنميمة والمحال والإفساد بين الناس بفساد صلاحهم. وأول من نفى عن الناس من يفسدهم وساق إليهم من يصلحهم القادة المتولّون لأمورهم. وأنت بقتل دمنة حقيق، فإنه قد كان يقال: إن إفساد أجلّ الأشياء من قبل خصلتين: إذاعة السر وائتمان أهل الغدر. وإن الذي أنشب العداوة بينك وبين شتربة أنصح الوزراء وخير الإخوان حتى قتلته غدر دمنة وجهالته ومكره وخيانته. وقد اطلعت على مكنونه وبدا لي ما كان يُخفي عليك وعلمته نحو ما كان يذكر من حديثه إياك قبل اليوم. فالراحة لك ولجندك وإن ظهر منه ما كان يكتم وعلن منه ما كان يبطن بقتله، فاقتله عقوبة لجريمته وإبقاءً على جندك فيما يُستقبل من شرّه. فإنه ليس على مثلها إن انتعش بمأمون. ولعلك أيها الملك أن ترْكن إلى ما أُمر به الملوك من العفو عن أهل الجريمة. فإن رأيت ذلك فاعلم أنه ليس في من بلغ جرمه جرم دمنة لأنه لا ذنب له أكثر مما جنى دمنة علانية وسراً بخلابته ومكره وتحميل الملك على البريء من وزرائه السليم صدره الناصح جيبه، حتى انطوى منه على حسده وقتله على شبهة.

ثم قالت: إني لست أجهل قول العلماء لتعظيم الفضل في العفو عن أهل الجرائم. ولكن الفضل في ذلك إنما هو دون النفوس أو جناية العامة التي يقع فيها الشين وتحتج بها السفهاء عندما يكون من أعمالهم السيئة واستعد بها الملك بالأمر الذي يضل خطره فيه إن كان إلى العامة.

فأمر الأسد أمه بالانصراف عنه وبعث حين أصبح إلى جنوده فأُدخل عليه وجوههم. فأرسل إلى أمه فحضرت المجلس ثم دعا بدمنة فأُتي به. فلما أقام بين يديه قلب الأسد يده بالتميثل به. فلما رأى دمنة ذلك أيقن بالهلكة فالتفت إلى بعض من يليه فقال له بصوت خفيّ: هل حدث من حديث أحزن الملك أو هل كان شيء جمعكم له كما أرى؟

قال دمنة: ما أرى الأول ترك للأخير مقالاً في شيء من معاريض الأمور. وقد جرى في بعض ما يقال أنّ أشدّ الناس اجتهاداً في توقي الشر أكثرهم فيه وقوعاً، ولا يكون للملك وجنوده المثل السوء. وقد علمت أن ذلك إنما قيل في صحبة الأشرار. إنه من صحبهم وهو يعلم عملهم لم ينجّه من شرورهم توقيه إياها. ولذلك انقطعت النساك بأنفسها واختارت الوحدة في الجبال على مخالطة الناس وآثرت العمل لله على العمل لخلقه لأنه ليس أحد يجزي بالخير خيراً إلى الله. فأما من دونه فقد تجري أمورهم على فنون شتى يكون مع ذلك في أكثرها الخطأ. وما أحد بأحق بإصابة الصواب من الملك الموفّق الذيا لا يصانع أحداً لحاجة به إليه ولا لعاقبة يتخوّفها منه. وإن كان أحق من ذلك من عظمت فيه رغبة الملوك من محاسن الصواب فمكافأة أهل البلاء الحسن عندهم. وما بلاء أبين حسناً من نصيحة. ولقد علم وعلمت وعلم جميع من حضر أنه لم يكن بيني وبين الثور أمر أضطغين عليه فيه حقداً ولا أبغي له غائلة، وما كان بذلك من ضرّ ولا نفع. ولكني نصحت الملك فيه وأعلمته ما اطلعت عليه من أمره حتى أبصر مصداق ما ذكرت له وكان فيه أفضل رأياً وأشد حزماً وعزماً. ولقد أعرف أنه قد تخوّف مثلها مني غير واحد من أهل الغش والعداوة فنصبوا نصبي وأجمعوا على طلب هلاكي. وما كنت أتخوّف أن يكون جزائي على النصيحة وحسن البلاء أن يحزن الملك على تركه إياي حيّاً.

فلما سمع الأسد قول دمنة قال: أخرجوه عني وادفعوه إلى القضاء، فليفتشوا عن أمره، فإني لست أحبّ أن أحكم على محسن ولا مسيء إلا بظهور وجه الحق والعدل.

فسجد دمنة للأسد ثم قال: أيها الملك إنه ليس أكشف للعمى ولا أوضح للشبهة ولا أشد استخراجاً لغامضات الأشياء من الاجتهاد والمبادرة فيما يصاب به ذلك. وقد علمت أيها الملك أن النار تكون مستكنّة في الشجر والحجارة فلا تخرج ولا تصاب منفعتها إلا بالعمل والطلب. ولو كنت مجرماً لتخوّفت التكشّف عن جرمي كما قد أصبحت لعلمي ببراءتي، أرجو أن يخرج الفحص والتكشف صحة أمري. وكذلك كل شيء طابت رائحته أو نتنت فاليوم يزيده فووحاً وظهوراً. ولو كنت أعرف مع ذلك لنفسي ذنباً أو جرماً لوجدت في الأرض مذهباً ولما لزمت باب الملك أنتظر ثواب عملي. ولكني أحب أن يأمر الملك من يلي الفحص عن أمري أن يرفع إليه في كل يوم ما يكشف من عذري وبراءتي ليرى فيّ رأيه ويعارض بعض أمري ببعض ولا يعمل في أمري بشبهات أهل البغي والعداوة، فإن الذي رأى الملك من تشبيههم عليه ما قد استبان من عداوة الثور لجدير أن يمنعه من الإقدام على قتلي بعد الذي علم من نصيحتي وحوطتي عليه ومن رأيه الذي قد علمه الملك من منزلتي في نفسي من خساسة الحال وصغر الخطر. وإني لست أستطيع أن أدفع نفسي عن نسبة العبودية ولا أطمع فيما يطمع فيه من فوقي. فإني وإن كنت عبد الملك فإن لي من عدله نصيباً أعرف أن الملك معطينيه من نفسي في حياتي وبعد موتي. فإن كان الملك أجمع على دفعي إلى من يبحث عن أمري وينظر في براءتي فإني أرغب إلى عدله ولا يغفل أمري وأن يأمر برفع معاذيري إليه يوماً بيوم. فإن كان الملك للبلاء المقدور عليّ وقلة استطاعتي لامتناع من القدر غير متروّ في أمري ولا متبحّث عن شأني ولا صارف العقوبة عني لقول أهل الشرارة والمحال على غير ذنب سلف مني، فلم يبق لي ناصرٌ ألجأ إليه إلا الله فإنه كاشف الكرب. وقد قالت العلماء: إنه من صدّق فيما يشبّه عليه بما ينبغي الشك فيه وكذّب بما ينبغي أن يصدّق فيه أصابه ما أصاب المرأة التي بذلت بمالها لعبدها بتشبيهه عليها.

قال الأسد: وكيف كان ذلك؟

مثل المرأة والمصور والعبد

قال دمنة: زعموا أنه كان بمدينة باثرون في أرض تدعى كشمير تاجر يدعى حبلاً وكانت له امرأة ذات حيلة ودهاء تختلس من ماله فتبيعه لشؤونها. وكان إلى جانب بيتها مصوّر ماهر بالتصاوير يواطئها على اختلاس المال. فقال المرأة للرجل في بعض أحيانه التي كان يأتيها فيها: إن استطعت أن تحتال بصناعة اطّلع بها على مجيئك إذا جئتني بالليل من غير نداء ولا رمي ولا شيء يرتاب به يكون رفق ذلك بي وبك. فقال المصور: عندي في ذلك من الحيل ما يسرّك، وهو أن عندي ملاءة بتهاويل الصور، وجهها الواحد شبيه باليقق الأبيض الشبيه بضوء القمر، والوجه الآخر حالك السواد شبيه بالظلمة الحندسية منظراً. فبياضها يدعوك في الليلة الظلماء بضوئه وسوادها يبدو لك في الليلة المقمرة، فقال: إذا رأيتها فاعلمني أني صاحبك فتأتيني بالمال دون نداء. فدخل عبد للتاجر وهما يتفاوضان في ذلك فسمع قولهما، فأراد أن يصيب شيئاَ من المال المختلس. فلما كان بعد ذلك وكان العبد صديقاً لأمة المصور طلب إليها أن تعيره الملاءة ليريها صاحباً له ويسرع إلى ردها. فأعطته الملاءة فلبسها ولقي المرأة على نحو ما كان يأتيها المصور. فلما رأته لم ترتب بشيء من شأنه فبذلت له حصة من المال ثم رجع العبد بالملاءة إلى الأمة فوضعتها في موضعها. وكان المصور عن بيته غائباً. فلما مضت هدأة من الليل رجع المصور إلى بيته ولبس الملاءة وأتى بها المرأة. فلما رأت الملاءة دنت منه فقالت: ما شأنك أسرعت راجعاً وقد أخذت المال في أول الليل. فلما سمع المصور كلامها خبت نفسه وانصرف نحو منزله، ثم دعا جاريته فتوعّدها بالضرب فأخبرته بالأمر على وجهه، فأحرق المصور الملاءة وندم على صنعه إياها.

وإنما ضربت لك هذا المثل أيها الملك لتعلم أن الشبهة كذب وأن الكذب يعيب صاحبه. ولست أنت حقيقاً بقتل البريء ذي الصحبة لوشي الوشاة وتحامل الخونة عليه. ولست أقول أيها الملك هذا كراهة للموت فإنه، وإن كان كريهاً، فلا منجى منه، وكل حي ميت. ولو كانت لي مائة نفس وأعلم أن رضا الملك في إتلافهن لطلبت له بهن نفساً. فإن ظننت أيها الملك أن لك بقتلي روحاً وفرجاً فإن العلماء قد قالوا: من اقترف خطيئة أو ذنباً فأسلم نفسه للقتل تكفيراً عن إئمه عفا الله عنه ونجا من الشرّ في الآخرة. فإني وإن كنت أعلم أن الله قد باعد الملك من الجور والاعتداء وإهلاك النفس البريئة بوشي الأشرار وتحميل الفجّار، فإني أحب أن لا يعجّل بأمر دون الفحص والترويه.

فبينما دمنة يقول معذرته إذ اعترض له أحد الحضور من بعض جلساء الملك فقال: أيها الملك إن دمنة ليس ما يقول تعظيماً لحق الملك ولا توفيراً لفضله، ولكنه يريد أن يدفع عن نفسه ما قد نزل به من سوء عمله.

قال دمنة: وهل، وليك، على امرئ في العذر لنفسه عيب؟ وهل أحد أقرب إلى الإنسان من نفسه؟ إذا لم يلتمس لها العذر فمن يلتمسه لها؟ وقد أحق بنصيحتي من نفسي، أو من أحق أن أنصح عنه منها؟ وقد قالت العلماء: إن المستهين لنفسه المبغض لها هو لغيرها أقطع وأبغض ولمن سواها أغش وأرفض. وقولك هذا مما يستدل به من حضر على قلة عقلك لما قلت ولجهالتك لما يدخل عليك فيه. ولقد ظهر منك ما لا تملكه من الحسد والبغضاء، وعرف من سمع قولك أنك لا تحب أحدا، وأنك عدو نفسك فمن سواها. فمثلك لا يصلح أن يكون إلا مع البهائم فضلاً من أن تحضر مجلس الملك أو تكون ببابه.

فلما سمع المقول له هذه المقالة من دمنة سكت فلم يحرْ جواباً وخرج مستحياً.

فقال أم الأسد لدمنة: إن من العجب انطلاقك بالقول مجيباً لمن تكلّم وقد كان منك ما كان.

قال دمنة: علام تنظرين بعين واحدة وتسمعين بأذن واحدة لشقاوة جدي؟ كذا كل شيء قد تنكّر وتغير. فليس ينطق أحد بحق ولا يقوم به ولا يتكلم إلا بالهوى. ومن بباب الملك لثقتهم به وطمأنينتهم إليه وتعطفه عليه لا يتّقون أن يتكلّموا بأهوائهم فيما رافق الحق أو خالفه وهو لا يغير عليهم ولا ينهاهم.

قالت أم الأسد: انظر إلى هذا الفاسق الفاجر الذي ركب الأمر العظيم كم يأخذ بأعين الناس ويبرّئ نفسه.

قال دمنة: إن الفاسق الفاجر من يذيع ولم يدفنه، والرجل الذي يلبس لباس المرأة والمرأة التي تلبس لباس الرجل، والضيف الذي يزعم أنه رب البيت، ومن ينطق في مجتمع عند الملك بما لا يسأل عنه.

قالت أم الأسد: يا شقي، أما تعلم من نفسك سوء عملك ومكرك وفجورك.

قال لها دمنة: الشقي الذي يرتكب المنكر ولا يريد لأحد خيراً ولا يدفع عن نفسه المكروه.

قالت أم الأسد: أيها الخائن الفاجر، إنك لتجترئ على مثل هذا القول. عجباً للملك أن يتركك حياً.

قال دمنة: إن الخائن الفاجر الذي يؤتى بالنصيحة ويمكّن من عدوه ثم لا يشكر ذلك ولا يعرفه لمن أتاه به، ولكن يريد قتله على غير ذنب.

قالت أم الأسد: لسمع موعظتك وضربك الأمثال لمن كلّمك أعجب عندي من الذي سلف من خلابتك ومكرك وحسدك.

قال دمنة: هذا موضع العظة إن قبلت وموضع الأمثال إن نفعت.

قالت أم الأسد: أيها الغادر الفاجر إن في سوء عملك لشاغلاً لو عقلت من ضرب الأمثال.

قال دمنة: إنما الغادر من أخاف من عمل في أمنه وعادى من كشف له عداوة أعدائه.

قالت أم الأسد: كأنك ترجو أيها الكاذب أن تنجو بتسطير المقال مما اجترمت.

قال دمنة: إن الكاذب من كافى بالإحسان إساءة بالخير شراً وبالأمن خوفاً. وأما أنا فقد أنجزت ما وعدت ووفيت العهد.

قالت أم الأسد: ما وعد الذي أنجزت وعهدك الذي وفيت؟

قال دمنة: سيدى يعلم أني لو كنت كاذباً لم أجترىء على الكلام عنده بالباطل وانتحال الكذب.

فلما رأت أم الأسد أن كلام دمنة لا يزيد الأسد إلا لينا ارتابت وداخلها الخوف شفقاً على أن يرى بعض ما يقول دمنة في براءته وعذره فقالت للأسد: إن الصمت على حجج الخصم لشبيه بالإقرار بحقيقة ما يقول. ومن هنالك قالت العلماء: أقرّ صامت. ثم قامت وهي غضبانة تريد الخروج.

فأمر الأسد بدمنة فجعلت الجامعة في عنقه وحبس وأمر بالفحص عنه.

فقالت أم الأسد له: إني لم أزل أسمع بمكر دمنة منذ زمان، ثم حقق عندي ما سمعت من إفكه وافتعاله المعاذير وكثرة مخارجه بغير صدق ولا براءة. فإنك إن أمكنته من الكلام دافعك عن نفسه بالحجج الكاذبة. وفي قتله لك ولجنودك راحة عظيمة، فاجل قتله. ولا تأخذك فيه هوادة ولا توقفك عنه شبهة؛ فإن الصغير والكبير من جندك عرفوا بنميمة دمنة وعلموا بفضائحه خاصة في أمر البريء الناصح وخير الوزراء شتربة. فقد استعاد الكذب وهو منه خلقٌ راسخٌ وطبيعة لازمة. والراحة لك ولجندك ترك المناظرة والقتل له بذنبه.

قال الأسد: إن من شأن بطانة الملوك وقرابتهم التنافس في المنازل بينهم ودخول البغي والحسد من بعضهم على بعض ولا سيما على ذي الرأي والنبالة منهم لخاصته. وقد علمت أن مكان دمنة قد ثقل على غير واحد من جنودي وأهلي، فلست أدري لعلّ الذي أرى وأسمع من جماعتهم وإجماعهم عليه لبعض ذلك. وأنا أكره العجلة في أمره. فإن العلق الصالح لا يستهلك إلا في حقه وموقع القدر فيه لمن استهلكه. ولا أجدني معذوراً باتباع نفسي والمعاجلة له دون الفحص والثبات. ولكن كوني بخير واسلمي فإني قد بدا لي من الرأي ما ينبغي.

فانصرفت أم الأسد بسكون جأشها وطيب نفسها وأخذ الأسد مضجعه.

ولما أدخل دمنة السجن وغلظ عليه الوثاق أخبر كليلة أن دمنة دق ردّ إلى السجن فداخلته له رقة وأدركته فيه رحمة لطول الصحبة والممالحة والإخاء الذي كان بينهما. فانطلق له مستصفياً حتى لقيه في السجن. فبكى كليلة لما نظر إليه وإلى ما هو فيه من الغم والضيق والبلاء، ثم قال له: إن ما أنت فيه لكافيك من عظتي، ولكن لا يمنع ذلك إنذارك والنصيحة لك. فإن لكل مقال موضعاً. ولو كنت قصّرت في عظتك حين احتجت إلى ذلك مني في حال العاقبة لكنت اليوم شريكك في الذنب، ولكن الإعجاب بنفسك دخل بك مدخلاً قهر رأيك وغلب على عقلك. وقد كنت أضرب لك مثلاً قول العلماء: “إن المحتال يموت قبل أجله”، وليس قولهم “يموت قبل أجله”، انقطاع الحياة، ولكنهم أرادوا دخول الأشياء التي تفسد الحياة كنحو ما أنت فيه مما الموت أروح منه.

قال دمنة: لم تزل منذ كنت تقول الحق بجهدك وقد كنت تعظني وتنصحني ولكنّ شدة النفس والحرص على طلب المنزلة فيّلا رأيي وسفّها نصحك عندي، كالمريض المولع بالطعام الذي عرف أنه يغلّط مرضه ويضرّ بجسمه فيدع معرفته وينقاد لشهوته. وقد عرفت أني زرعت لنفسي هذا البلاء، والزرع إنما ينبت لأوانه وزمانه وإن تقدم في زرعه. وهذا أوان حصاد ما زرعت لنفسي. وإنما يشتد عليّ البلاء لخوفي أن تتهم في أمري لما كان بيني وبينك، وأخاف مع ذلك إن بسطت عليك العقوبة أن تعترف بما كنت اطّلعت عليه من أمري. وأما الأخرى فإنك ممن لا يتهم في صدق مقالته على البعيد فكيف على من منزلته مثل منزلتي.

قال كليلة: عرفت، وقالت العلماء إن الأجساد لا تصبر على حلول العذاب ولا تمتنع عنده من القول بكل ما تستطيع أن تدفعه. وإني لأرى إذ نزلت بك هذه النازلة أن تبوء بذنبك وتعترف بإساءتك فتخرج نفسك من تبعة الآخرة بالتوبة مما صنعت، فإنك لا محالة هالك. فلا تجمع على نفسك هلاك العاجل والآجل. ولخير لك أن تعذّب في الدنيا بجرمك من أن تعذّب في جهنّم مع الإثم.

فقال دمنة: صدقت ونصحت وأنا مفكر فيما ذكرت. ولكن العمل فيه شاق مهول وعقاب الأسد شديد أليم.

فانصرف كليلة إلى منزله مغموماً تحدس نفسه بكل بلاء وشر. فلم يزل كذلك حتى هاج عليه بطنه فمات قبل أن يصبح. وكان في السجن فهد محبوس كان نائماً قريباً من دمنة وكليلة حتى اجتمعا في السجن، فاستيقظ بكلامهما فسمع كل ما دار بينهما من معاتبة كليلة لدمنة على سوء فعله وإقرار دمنة بإثمه فحفظ ذلك وكتمه فلم يذكره.

فأصبحت أم الأسد فذكرت للأسد أمر دمنة وعذره وقالت: إن استبقاء الفجار بمثابة قتل الأبرار، وإن من استبقى فاجراً شاركه في فجوره أو برّا شاركه في برّه.

فلما سمع الأسد كلام أمه أمر القاضي والنمر بتعجيل النظر في أمر دمنة والمسألة عنه في عامة الناس، وأن يرفعا إليه ما يلحق بدمنة من ذنب أو سبيل، وما ادعى دمنة من عذر ومخرج.

فخرج النمر والقاضي نظران في ذلك من أمره وبعثا إلى دمنة من يأتي به. فلما أتوا به توسط محفل مجلسهم فانتصب قائماً فهجر النر بصوته وقال: إنكم قد علمتم معشر الجند ما دخل على الملك من الحزن في قتل شتربة شفقاً من أن يكون أحد أنهى إليه باطلاً في أمره وشبّه عليه دمنة بالكذب في السعاية به. وقد نصبا للنظر في ذلك، وأنتم محقون ألا تكتموه سراً ولا تذّخروه نصحاً ولا تخفوا عليه جرماً. فليقل كل امرئ منكم بما يعلم وليتكلم به على رؤوس الجمع والأشهاد، فإنه لا يجب أن تفرط بده بعقوبة أحد لهوىً له أو لغيره من غير استحقاق المعاقب للعقوبة بجنايته.

قال القاضي: قد سمعتم الذي قيل لكم فلا ينبغي لأحد منكم كتمان شيء مما علم من خصال ثلاث: إحداهن الصدق فيما استشهدتم عليه وألا تجعلوا العظيم من الحق صغيراً. فأي عظيم أعظم من ستر ذنب من أورط الأخيار واستزلهم وأهلك بعضهم ببعض بسعايته كذباً وميناً. فالكاتم عليه ليس بريئاً من ضرّ جنايته ولا بعيداً من أن يكون شريكاً له في عمله. والثانية معاقبتنا المذنب مقمعة لأهل الريبة، مصلحة للملك والرعية. والثالثة أن الأشرار إذا نفوا من الأرض زاد ذلك الرعية تواصلاً والصالحين سروراً وأهل التناصح اغتباطاً. فليقل كل امرئ منكم ما علم لكيما يكون القضاء في ذلك على الحق لا على الهوى والظن.

فلما قصّ قائلهم قوله سكت من حضر فلم ينطق منهم أحد بكلمة لأنهم لم يعلموا من أمره علماً واضحاً يتكلمون به، وكرهوا القول بالظنون خوفاً من أن يدخل قولهم حكماً أن يوقع قتلاً. فلما رأى دمنة سكوتهم تكلم فقال: إني لو كنت مجرماً لسررت بسكوتكم عن القول في أمري إذ لم تعلموا لي جرماً لأن كل من لم يعلم له جرماً فلا سبيل عليه، فهو البريء المعذور. ولك قول عاقبة عاجلة أو آجلة. فمن عرّضني لعطب بغير علم أو قال في أمري بالشبهة والظن أصابه من عاقبة قوله ما أصاب المتطبب الذي انتجب علم ما لما علم له به.

قال القاضي: وكيف كان ذلك؟

مثل المتطبب الكاذب

قال دمنة: زعموا أنه كان ببعض مدائن السند متطبب ذو وفق وعلم، كثير الحظوة فيما يجري على يديه من أسباب العافية فيما يعالج به الناس من طبّه وأدويته. فمات ذلك المتطبب وانتفع الناس بما في كتبه. وإن رجلاً سفيهاً ادعى علم الأدوية وأشاع ذلك في الناس. وكان لملك تلك المدينة ابنة لها داء ثقيل فبعث الملك يطلب الأطباء فذكر له متطبب على رأس فراسخ يوصف بعلم الطب فبعث إليه. فلما جاءه الرسول وجده قد ذهب بصره من الكبر، فذكروا له علة الجارية وما تجد، فوصف لها دواء له اسم معروف يقال له زمهران. فقالوا له: اخلط لنا هذا الدواء. قال: لست أبصر لأجمع أخلاطه على معرفتي. فأتاهم ذلك السفيه المدعي علم الطب فأعلمهم أنه عارف بذلك الدواء، عالم بالأخلاط والعقاقير، بصير بطبائع الأدوية المفردة والمركّبة. فأمر الملك بإخراج كتب المتطبب الميت إليه وإدخاله الخزانة ليأخذ مما فيها من أخلاط الأدوية. فلما دخل وعرضت عليه أخلاط الأدوية وهو لا يدري ما هي ولا معرفة له بها، أخذ منها أشياء بغير علم ولا معرفة إلا على الظن والشبهة فوقع في سم قاتل، فأخذه وخلطه بأخلاطه تلك ثم سقى الجارية، فلم تلبث إلا ساعة حتى ماتت. فأخذه الملك فسقاه من دوائه الذي خلطه فمات لوقته.

قال دمنة: إنما ضربت لكم هذا المثل لتعرفوا ما يدخل على القاتل بالجهالة والعامل بالشبهة من الإثم. ثم تكلم سيد الخنازير صاحب مائدة الملك إتباعاً لهوى أم الأسد، فقال: إن أحق من لم يسأل عنه العامة ولم يشكل أمره على الخاصة لهذا الشقي الذي قد ظهرت فيه علامات الشر وسمات الفجور وقد عرف العلماء ما الحكم فيها.

قال رأس القضاة: وما تلك العلامات والسمات؟ فأطلعنا على ما ترى في صورة هذا الشقي. فجهر سيد الخنازير بصوته وقال: إن العلماء قد قالوا: إن من صغرت عينه اليسرى وهي لا تزال تختلج، ومال أنفه بعض الميل إلى شقّه الأيمن وبعد ما بين حاجبيه، وكانت منابت شعر جسده ثلاث شعرات ثلاث شعرات، وإذا مشى كان أكثر نظره إلى الأرض ويلتفت تارة بعد تارة، فإن ذلك مستجمع للغدر وطباع الآثام والبغي على الصالحين. وهذه العلامات كلها في دمنة.

فلما قضى قوله أكثر دمنة التعجب من كلامه وقال: إن الأمور يحكم بعضها بعضاً وإن حكم الله صواب لا خطأ فيه ولا جور فيه ولا عدوان. ولو كانت هذه العلامات التي ذكرتها وأشباهها يناب بها عن العدل والمعرف بالحق، لم يتكلف الناس الحجج ولم كان جزاء أهل الإحسان وجزاء أهل الفجور إلى على هذه العلامات. وهذا لم يوجب عليّ شيئاً لأن هذه العلامات تخلق مع صاحبها حين يخلق وتولد معه حين يولد. وإن كنت تزعم أن الخير والشر إنما يكونان بالعلامات فكذلك إذاً لا حمد للمحسن ولا ذمّ على المسيء، ولا أجدني في هذا أيضاَ إلا معذوراً، ولا أراك تنطق إلا بعذري وتذكر براءتي وأنت لا تدري ولا تفكر فيما تقول وإنما أنت في هذا كرجل قال لامرأته: أبصري عيبك يا سفيهة ثم عيبي غيرك.

فسُئِل دمنة كيف كان ذلك؟

مثل الرجل والمرأتين

قال دمنة: زعموا أن مدينة كانت تدعى بورخشت دخلها الأعداء مرة فقتلوا ممن كان فيها عالماً وسبوا نساءهم واقتسموا السبي. فأصاب جندي من العدو رجلاً حرّاثاً مع امرأتين. فكان ذلك الرجل يعرّيهم من الكسوة ويصومهم عن المطعم والمشرب. فانطلق الحرّاث يوماً من الأيام مع الرجل والمرأتين ليحتطبوا فوجدت إحداهما خرقة فاستترت بها فقالت الأخرى لبعلها: ألا تنظر إلى هذه كيف تمشي بخرقتها. فقال زوجها: ويلك ألا تبصرين نفسك فتستري مثلها ثم تكلمي.

فأمرك أنت أعجب فيما قد عرفت من قذارة جسمك ونجاستك وجرأتك على ذلك من الدنو إلى طعام الملك والقيام عليه وبين يديه كالبريء من العيب والنقيّ من الدنس، ولست بالمطلع على عيبك دون أهل العقل من أهل المجلس. ولم يمنعني من إبداء عيبك قبل اليوم إلا مودة كانت ما بيني وبينك. فأما إذ قد طعنت عليّ وابتدأتني بالظلم لما انطويت عليه من عداوتي وقذفتني على غير علم بالباطل بمحضر الجند، فإني قائل بما أعلم من عيبك مبدي الذي أخفيت من دنسك الذي لم يكن معه داع أن تخدم الملك ولا أن تخدم الذي تحته. فحقّ على من عرفك حق المعرفة أن يمنع الملك من استعمالك ويدفعه إلى عزلك عن طعامه.

فلما سمع سيد الخنازير ذلك من دمنة كفّ وتلجلج لسانه واستحيا وكفّ جميع من حضر من الجمع عن القول في شيء من أمره.

وكان بين الحضور شعهر قد جرّبه الأسد فوجد فيه أمانة وصدقاً فاتخذه في خدمته وأمره أن يحفظ جميع ما يجري بينهم ويطلعه عليه. فدخل على الأسد وأعلمه بحديثهم من أوّله إلى آخره دون أن يكتم عنه شيئاً. فلما سمع الأسد ذلك أمر بعزل سيد الخنازير عن عمله ومنعه من الدخول عليه ورؤية وجهه، ثم أمر بدمنة أن يردّ إلى السجن. وكتب ما جرى في محاكمته وختم عليه النمر.

وكان لكليلة في حاشية الأسد صديق يدعى روزبة بينه وبين كليلة إخاء ومودة. وكان عند الأسد وجيهاً وعليه كريماً، فانطلق إلى دمنة وأخبره بموت كليلة الذي قضى إشفاقاً من أن يتلطّخ بشيء من أمر أخيه وحذراً عليه. فبكى دمنة وحزن وقال: ما أصنع بالدنيا بعد مفارقة الأخ الرحيم والصديق الحميم. لقد صدق القائل إن الإنسان إذا ابتلي ببليّة أتاه الشر من كل جانب واكتنفه الهم والحزن من كل مكان. ثم التفت إلى روزبة قائلاً: ولكن أحمد الله تعالى إذ لم يمت كليلة حتى أبقى لي أخاً مثلك. قد وثقت بنعمة الله وإحسانه إليه فيما رأيت من اهتمامك بي ومراعاتك إياي. وقد علمت أنك رجائي وركني فيما أنا فيه. فأريد من فضلك أن تنطلق إلى مكان كذا وكذا فتنظر ما جمعته أنا وأخي كليلة بحيلتنا وسعينا ومشيئة الله تعالى فائتنا به.

ففعل روزبة بما أمره دمنة وأتى بمال كثير وضعه بين يديه. فأعطاه دمنة أكثره وقال: إنك على الدخول والخروج على الأسد إذا شئت أقدر من غيرك فتفرّغ لشأني واصرف اهتمامك إليّ واسمع ما أذكر به عند الأسد إذا رفع إليه ما جرى بيني وبين الخصوم، وما يبدو من أم الأسد من حقي، وما ترى من موافقة الأسد لها ومخالفته إياها في أمري، واحفظ ذلك كله وأعلمني به.

فأخذ روزبة ما أعطاه دمنة وانصرف إلى منزله.

فلما أصبح الأسد من الغد جلس حتى إذا مضى من النهار ساعات استأذن علي أصحابه فأذن لهم فدخل القاضي وطائفة من الوجوه ووضعوا بين يديه كتاب ما قال دمنة في معاذيره. فقبض الأسد ذلك الكتاب وأمرهم بالانصراف عنه.

ثم أرسل إلى أمه فقرأ عليها ذلك الكتاب فشقّ عليها ما سمعت ونادت بأعلى صوتها: إن أنا أغلظت لك أيها الملك فلا تغضب.

قال الأسد: لست أغضب فقولي ما أحببت.

قالت: ما أراك تعرف ما يضرّك مما ينفعك. وإني لأحسب دمنة في طول تصريفك النظر في أمره سيهيّج عليك ما لا تقعد له ولا تقوم. ولهذا كنت أنهاك عن سماع كلام هذا المجرم المسيء لدينا قديماً الغادر بذمتنا. ثم قامت وخرجت وهي غضبانة.

فخرج روزبة في إثرها مسرعاً حتى أتى دمنة فأخبره بما قالت أم الأسد. فلما كان في الغد بعث القاضي إلى دمنة فأخرجه وشاور عليه ثم قال: يا دمنة قد أنبأني بخبرك الأمين الصادق وليس ينبغي لنا أن نفحص عن شأنك أكثر من هذا لأن العلماء قالوا إن الله تعالى جعل الدنيا سبباً ومصداقاً للآخرة، ولأنها دار الرسل والأنبياء الدالين على الخير الهادين إلى الجنة الداعين إلى معرفة الله تعالى. وقد ثبت شأنك عندنا وأخبرنا عنك من وثقنا بقوله. إلا أن سيدنا الأسد أمرنا بالعود إلى أمرك والفحص عن شأنك وإن كان عندنا بيّناً.

قال دمنة: أراك أيها القاضي لم تتعوّد العدل في القضاء وليس في عدل الملوك دفع المظلومين ومن لا ذنب لهم إلى قاض غير عادل، بل يأمرون بمحاكمتهم والذود في حقوقهم. والعلماء لم يقولوا في حقي شيئا.

فقال له القاضي: إنه وإن سكت جميع من حضرك ولم يقولوا شيئاً فإن ظنونهم قد اجتمعت على أنك مجرم ولا خير لك في الحياة بعد استقرار تهمتك في قلوبهم، فلا أرى شيئاً خيراص لك من الإقرار بذنبك فتخرج لعتقك من تبعة الآخرة ويعود لك حسن قول في أمرك لخصلتين: إحداهما قوتك على المخارج وافتعال المعاذير التي تدفع بها عن نفسك، والأخرى إقرارك بذنبك اختياراً للسلامة في الآخرة عن سلامة الدنيا. فإن العلماء قد قالت: إن الموت فيما يجمل خيرٌ من الحياة فيما يقبح.

فأجابه دمنة: إن القضاة لا تقضي بظنونها ولا بظنون العامة ولا الخاصة. وقد علمت أن الظن لا يغني من الحق شيئاً. فإني وإن ظننتم جميعاً أني صاحب هذا الجرم فإني أعلم بنفسي منكم، وعلمي بنفسي يقين لا شك فيه. وإنما قبح أمري في أنفسكم لأنكم ظننتم أني سعيت بغير زوراً، فما عذري عندكم لو سعيت بنفسي كاذباً عليها فأسلمتها لتقتل على معرفة ببراءتها؟ فهي أعظم الأنفس عليّ حرمة وأكرمها حقا. ولو فعلت ذلك بأدناكم أو أقصاكم لم يسعني ذلك في ديني ولم يجمل بي في خلقي. فاكفف إذن عني هذه المقالة. فإن كانت هذه منك نصيحة فقد أخطأت موضعها، وإن كمانت منك خديعة فإن أقبح الخداع ما فطن له. وليس الخداع ولا المكر من أخلاق صالح القضاة. وإلا فاعلم أن قولك هذا حكم منك وسنة لأن كل أمر أمرت به القضاة يحكم بصوابه أهل الصواب ويتخذونه سنة ويصير خطأه عدلاً لأهل الأدغال. وإن من شقاء جدي أيضاَ أنك لم تزل في أنفس الناس فاضلاً في رأيك وفي حكمك حتى أنسيت ذلك في أمري فتركت علم القضاة وانصرفت إلى العمل بالظنون التي تختلف بها الحالات في الأمور. أو ما بلغك عن العلماء أنهم قالوا: من ادعى علم ملا لا يعلم وشهد بالغيب أصابه ما أصاب البازيار القاذف عبد مولاه.

قال القاضي: وكيف كان ذلك؟

قال دمنة: زعموا أنه كان في بعض المدن رجل من المرازبة مذكور وكان له عبد صالح جعله وكيله يأتمنه على كل خزائنه. وكان للرجل بازيار ماهر خبير بسياسة البزاة وعلاجها. وكان البازيار عند المرزبان بمكان جليل بحيث أدخله داره وأجلسه مع أهله. فاتفق أن البازيار حسد عبد الرجل وفكّر له الشر ليطرده مولاه. فعمل الحيلة في بلوغ غرضه فضاقت عليه أبواب الحيل وتعذّرت عنه الأسباب. فخرج يوماً إلى الصيد على عادته، فأصاب فرخي ببغاء فأخذهما وجاء بهما إلى منزله ورباهما، فلما كبرا فرّق بينهما وجعلهما في قفصين وعلّم أحدهما أن يقول: رأيت الوكيل يختلس مال سيده خفية. وعلّم الآخر أن يقول: هذا صحيح ثم أدبهما على ذلك مدة حتى حذقاه وأتقناه.

فلما بلغ منهما ما أراده إلى أستاذه. فلما رآهما أعجباه ونطقا بين يديه فأطرباه. إلا أنه لم يعمل ما يقولان لأن البازيار كان علّمهما ذلك بلغة العجم التي يجهلها المرزبان. وكان هذا مولعاً بالببغاءين يلهو بهما. وحظي البازيار عنده بذلك حظوة عظيمة وأمر امرأته بالمراعاة لهما والاحتياط عليهما والتعاهد لطعامهما وشربهما.

واتفق بعد مدة أن قدم على المرزبان قوم من أعاظم أعاجم بلخ فتأنق لهم بالطعام والشراب وقدم لهم من اصناف الفواكه والتحف شيئاً كثيراً. ولما فرغوا من الأكل وشرعوا في الحديث أشار إلى البازيار أن يأتي بالببغاءين فأحضرهما. فلما صاحا بين يديه وسمعهما الضيوف عرفوا ما يقولان ونظر بعضهم إلى بعض.

فسألهم الرجل عما قالتا فامتنعوا أولا، فألح عليهم بالسؤال إلى أن أقروا قائلين: إنما تقولان كذا وكذا بحق عبدك وكيل أموالك. فلما قالوا ذلك أمرهم المرزبان أن يكلموا الطيرين بغير ما نطقا به ففعلا ذلك ولم يجدوهما تعرفان غير ما تكلمتا به، وبان للرجل والجماعة براءة الوكيل مما رمي به وثبت كذب البازيار الذي علمهما ذلك فانتهره الوكيل: أيها العدو لنفسه أأنت رأيتني أختلس مال سيدي وأخفيه؟ قال: نعم أنا رأيتك. فلما قا لذلك وثب باز عن يده إلى عينيه ففقأهما. فقال العبد. بحق أصابك هذا، إنه لجزاء من الله تعالى لشهادتك بما لم تره عيناك.

وإنما ضربت لك هذا المثل أيها القاشي لتزداد علماً بوخامة عاقبة الشهادة بالكذب في الدنيا والآخرة. فلما سمع القاضي والحضور احتجاج دمنة كتبوا ذلك كله ورفعوه إلى الأسد، فنظر فيه ودعا أمه فعرض ذلك عليها فكان من قولها أن قالت: لقد صار اتهامي بأن يحتال لك دمنة بمكره ودهائه حتى يتلك أن ينقض عليك أمرك أعظم من اهتمامي بما سلف من ذنبه إليك من الغش والسعاية بوزيرك وصفيّك حتى قتلته بغير ذنب. فوقع قولهما في نفس الأسد فقال لها: أخبرني عن الإنسان الذي أنبأك بما سمع من كلام كليلة ودمنة، فإن قتلته ذلك حجة على دمنة.

قالت: إني أكره أن أفشي سراً استظهرت عليه بركوب ما نهت عنه العلماء من كشف الأسرار، ولكني سأطلب إلى الذي ذكر لي ذلك أن يحللني من ذكره لك أو أن يفوه هو بما علم وما سمع.

ثم انصرفت فأرسلت إلى النمر فأتاها، فذكرت له فضل منزلته عند الأسد وما يحق عليه من تربيته وحسن معاونته على الحق وإخراج نفسه من الشهادة التي لا يكتمها مثله مع ما يحق عليه من نصرة المظلومين والمعاونة على تثبيت حجّتهم يوم القيامة. فلم تزل به حتى جاء فشهد على دمنة بما سمع من كلامه وكلام كليلة.

ولما شهد النمر على دمنة بذلك، أرسل الفهد المسجون الذي سمع قول كليلة لدمنة ليلة دخل عليه في السجن أن عندي شهادة فأخرجوني لها. فبعث إليه الأسد فشهد على دمنة بما سمع من قول كليلة وتوبيخه إياه بدخوله بين الأسد والثور بالكذب والنميمة حتى قتله الأسد وإقرار دمنة بذلك.

قال له الأسد: فما منعك أن تكون أعلمتنا بشهادتك عن دمنة حين سمعت ذلك منه. 

قال الفهد: منعني من ذلك أن شهادتي وحدي لم تكن توقع حكماً ولا تحجّ خصماً، فكرهت القول في غير منفعة.

فاجتمعت على دمنة شهادتان فأرسلهما الأسد إلى دمنة ثم بكّته الشاهدان في وجهه بمقالته فأمر به الأسد فغلّظ عليه الوثاق ثم ترك في السجن حتى مات جوعاً. فهذا ما صار إليه أمر دمنة وكذلك تكون عواقب البغي ومواقع أهل الحسد والكذب

error: النسخ ليس ممكناً