عرض كتاب كليلة ودمنة

مصنف: كليلة و دمنة - -
524 0

ابتداء كليلة ودمنة, هو مما وضعته علماء الهند من ضرب الأمثال والأحاديث التي التمسوا أن يدخلوا فيها أبلغ ما يجدون من القول في النحو الذي أرادوا. ولم تزل العلماء من كل ملة وأهل كل لسان يلتمسون أن يعقل عنهم ما بنوا لذلك بصنوف من الحيل ويبتغون في إخراج ما عندهم من العقل حتى كان من تلك الحيل وضع بليغ الكلام ومتقنه على أفواه البهائم والطير، فاجتمع لهم بذلك خلال. أما هو فوجدوا منصرفاً في القول وشعاباً يأخذون فيها، وقد جمع هذا الكتاب لهواً وحكمة فاجتباه الحكماء لحكمته والسخفاء للهوه. فأما المتعلمون من الأحداث وغيرهم فنشطوا لعلمه وخفّ عليهم حفظه. فإذا خال الحدث واجتمع له الفعل وتدبّر المتدبر ما كان مما صار مقيداً مريوباً في صدره، وهو لا يدري ما هو عرف أنه قد ظفر من ذلك بكنوز عظام، فكان كالرجل الذي يدرك حين يدرك فيجد أباه قد كنز له كنوزاً من الذهب وعقد له عقدا استغنى به عن استقبال السعي والطلب. ولم يكن إذ كنزت صنوف أصول العلم ثم كثرت فروع كل صنف منها حتى لا يستكمل منها شيء تدبّر أن يكنز العلل التي تجري عليها أقاويل العلماء. 

فمن قرأ هذا الكتاب فليعرف الوجه الذي وضع عليه ولا يكن همه بلوغ آخره ليعرف إلى أية غاية يجري مؤلفه فيه، وأي شيء يخشى منه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مفصح وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها مثالاً وأمثالاً. فإن قارئه متى يفعل ذلك ولم يدر ما أريد بتلك المعاني ولا أي ثمرة يجتنى منها ولا أية نتيجة تحصل له من مقدمات ما يصفه هذا الكتاب، فإنه ولو استتم قراءته إلى آخره دون معرفة ما يقرأ منه، لم يعد عليه شيء يرجع إليه نفعه.

مثل المكتشف الكنز

ومن استكثر من جمع العلوم وقراءة الكتب من غير إعمال الروية فيما يقرأه كان خليقاً أن لا يصيبه إلا كما أصاب الرجل الذي زعمت العلماء أنه اجتاز ببعض المفاوز فظهرت له آثار كنوز، فجعل يحفز ويطلب فوقع على شيء كثير من عين وورق، فقال في نفسه: إن أخذت في نقل هذا المال كان إخراجي له قد قطعني الاشتغال بنقله عن اللذة بما أصيب منه، ولكن استأجر قوماً يحملونه إلى منزلي وأكون أنا آخرهم ولا أبقي ورائي قوماً يحملونه إلى منزلي وأكون أنا آخرهم ولا أبقي ورائي شيئاً أشغل فكري بنقله، وأكون قد استظهرت في إراحة بدني عن الكد بيسير أجرة أعطيها لهم. ثم جاء بالحمالين فجعل يسلّم إلى كل واحد منهم ما يقدر على حمله ويقول له: اذهب به إلى منزلي. فينطلق به الحمّال إلى منزل نفسه فيغدر به، حتى إذا لم يبق من الكنز شيء انطلق إلى منزله فلم ير فيه من المال شيئاً ووجد كل واحد من الحمالين قد فاز بما حمله لنفسه، ولم يكن له من ذلك العناء والتعب لأنه لم يفكر في آخر أمره.

مثل الجوز الصحيح والصحيفة الصفراء

وكذلك من يقرأ هذا الكتاب ولم يعلم غرضه ظاهراً وباطناً لم ينتفع بما بدا له من خطّه ونقشه، كما لو قدّموا لرجل جوزاّ صحيحاً لم ينتفع به إلا أن يكسره وينتفع بما فيه. وكان كالرجل الذي طلب علم الفصيح فرسم له بعض أصدقائه صحيفة صفراء فيها فيصيح الكلام وتصاريفه ووجوهه، فانصرف المتعلم إلى منزله وجعل يكثر قراءتها فلا يقف على معانيها ولا يعرف ما فيها. ثم أنه جلس ذات يوم في محفل من أهل العلم والأدب والفطنة وهو يظن أنه قد اكتفى بما فازه من تلك الصحيفة فأخذ في محاورتهم، فجرت له كلمة أخطأ فيها فقال به عضهم: إنك قد أخطأت فيها والوجه غير ما تكلمت به. فقال: كيف أخطئ وقد قرأت الصحيفة الصفراء وهي في منزلي. فكانت مقالته أوجب الحجة عليه وزاده ذلك توهاً من الجهل وبعداً من الأدب.

ثم إن العاقل إذا فهم هذا الكتاب وتفقهه وبلغ نهايته وعلم ما فيه، ينبغي له أن يعمل بما علمه منه لينتفع به ويجعله مثالاً لا يحيد عنه.

مثل الرجل الصابر على اللص

فإذا لم يفعل ذلك كان مثله مثل الرجل الذي يقال إن سارقاً تسوّر عليه وهو نائم في منزله فعلم به فقال: والله لأسكتنّ حتى أنظر ما يصنع ولا أذعره ولا أعلمه أني قد علمت به، فإذا بلغ مراده قمت إليه فنغّصت ذلك عليه. ثم أمسك عنه وجعل السارق يطوف، فطال تردده على الرجل في جمع ما يجده فغلبه النعاس فنام، وفرغ اللص مما أراد فأمكنه الذهاب. ثم استيقظ الرجل فوجد اللص قد فاز بما أخذ من المتاع فأقبل على نفسه باللوم حين عرف بأنه لم ينتفع بعلم موضع اللص إذ لم يستعمل في أمره ما يجب.

ويقال أن العلم لا يتم إلا بالعمل، وإن العلم كالشجرة، والعمل فيها كالثمرة، فليلزم صاحب العلم القيام بالعمل لينتفع به، وإن لم يستعمل ما يعلم فلا يسمّى عالماً. ولو أن رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه على علم به يسمى جاهلاً. ولعله يكون قد حاسب نفسه فوجدها قد ركبت أهواءً وهجمت به فيما هو أعرف بضررها فيه وأذاها به من ذلك السالك في الطريق المخوف الذي عرفه. ومن ركب هواه ورفض ما ينبغي أن يعمل بما جرّبه أو علّمه غيره، كان كالمريض العلام برديء الطعام والشراب وجيّده وخفيفه وثقيله ثم يحمله الشره على رديئه وترك استعمال ما هو أقرب إلى النجاة والتخلص من علته.

مثل البصير والأعمى

وأقل الناس عذراً في اجتناب محمود الفعال وارتكاب مذمومه من أبصره وميّزه وعرف فضل بعضه على بعض. كما أنه لو كان رجلان أحدهما بصير والآخر أعمى ساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها، كانا إذا صارا جميعاً في قعرها بمنزلة واحدة في الهلكة. غير أن البصير أقل عذراً عند الناس من الضرير، إذ كانت له عينان يبصر بهما. وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف.

وعلى العالم أن يبدأ بنفسه فيؤدبها بعلمه ولا تكون غايته اقتناءه العلم لمعاونة غيره، فيكون كالعين التي يشرب الناس ماءها وليس لها في ذلك شيء من المنفعة، وكدودة القز التي تحكم صنعته ولا تنتفع به. 

فقد ينبغي لمن طلب العلم أن يبدأ بعظة نفسه. ثم عليه بعد ذلك أن يقبسه، فإن خلالاً ينبغي لصالح الدنيا أن يقتبسها، منا اتخاذ المعروف وأن لا يعيب أحداً بشيء هو فيه، فيكون كالأعمى الذي يعبر الأعمى بعماه. وينبغي لمن طلب أمراً أن يكون له فيه غاية يعمل بها ويقف عندها ولا يتمادى في الطلب. فإنه يقال من سار إلى غير غاية فيوشك أن تنقطع به مطيّته، وأنه كان حقيقاً أن لا يعنّي نفسه على طلب ما لا حدّ له وما لم ينله أحد قبله، ولا يتأسف عليه ولا يكون لدنياه مؤثراً على آخرته فإنه من لا يعلق قلبه بالعنايات قلت حسرته عند مفارقتها. وقد يقال في أمرين إنهما يجملان بكل أحد، وهما النسك والمال، وفي أمرين إنهما لا يجملان بكل أحد: الملك أن يشارك في ملكه والرجل أن يشارك في زوجته. فالخلتان الأوليان مثلهما مثل النار التي تحرق كل حطب يقذف فيها. والخلّتان الأخريان كالماء والنار اللذين لا يمكن اجتماعهما.

 مثل اللص والفقير

وليس ينبغي للعاقل أن يغبط أحداً إذا ساق الله له صنيعاً. فلعلّ الله يرزقه مثله من حيث لا يدري. ومن أمثال ذلك أن رجلاً كانت به فاقةُ وعري، فألجأه الأمر إلى أن سأل أقاربه وأصدقاءه فلم يجد عند أحدهم فضلاً يعود به عليه. فبينما هو ذات ليلةٍ في منزله إذ أبصر سارقاً يجول في منزله، فقال: والله ما في منزلي شيء أخاف عليه. فاجتهد السارق جهده، فبينما هو يجول إذ وقعت يده على خابيةٍ فيها حنظة، فقال: والله ما أحبّ أن يكون عنائي الليلة باطلاً، ولعلي لا أصل إلى موضع آخر، ولكن أحمل هذه الحنطة، فهي خيرٌ من الرجوع بغير شيء. ثم بسط رداءه ليصبّ عليه الحنطة، فقال الرجل: ليس لي على هذا صبر، أيذهب هذا بهذه الحنطة وليس ورائي سواها، فيجتمع عليّ العريّ وذهاب ما كنت أقتات به، ولا تجتمع والله هاتان الخلتان على أحد إلا أهلكتاه. ثم صاح بالسارق وأخذ هراوة كانت عند رأسه. فلم يكن للسارق إلا الهرب منه، فترك رداءه ونجا بنفسه، فأخذه الرجل وغدا كاسياً.

وليس ينبغي أن يركن إلى مثل هذا المثل ويدع ما يجب عليه من العمل والسعي لصلاح معاشه، ولا أن ينظر إلى من تؤاتيه المقادير وتساعده على غير التماس منه. فإن أولئك في الناس قليل، والجمهور منهم من أتعب نفسه في الكدّ والسعي فيما يصلح أمره وينال به ما أراد. وينبغي أن يكون حرصه على ما طاب كسبه وحسن نفعه، ولا يعرّض نفسه لما يجلب عليه العناء والشقاء، فيكون كالحمامة التي تفرّخ الفراخ للذبح ولا يمنعها ذلك أن تعود فتفرخ في موضعها وتقيم بمكانها وتؤخذ فراخها ثانية فتذبح.

وقد يقال إن الله تعالى قد جعل لكل شيء سبباً، ومن تجاوز في الأشياء حدها أوشك أن يلحقه تقصير عن بلوغها. ويقال من كان سعيه لآخرته ودنياه فحياته له وعليه. ويقال في ثلاثة أشياء يجب على صاحب الدنيا إصلاحها فيبذل جهده فيها: منها أمر معيشته، ومنها ما بينه وبين الناس، ومنها ما يكسبه الذكر الجميل بعده. وقد قيل في أمور كنّ فيه لم يستقم له عمل، منها التواني، ومنها تضييع الفرص، ومنها التصديق لكلّ مخبر بشيءٍ عقله ولا يعرف استقامته فيصدّقه.

وينبغي للعاقل أن يكون لهواه متهماً ولا يقبل من كلّ أحد حديثاً لا يتمادى في الخطإ إذا التبس عليه أمره حتى يتبين له الصواب وتتوضح له الحقيقة، ويكون كالرجل الذي يجوز عن الطريق فيستمرّ على الضلال ولا يزداد في السير إلا جهداً وعن القصد إلا بعداً. وكالرجل الذي تقذى عيناه ولا يحكّهما حتى ربما كان ذلك الحك سبباً لذهابهما. وعلى العاقل أن لا يصدّق بالقضاء والقدر ويأخذ بالحزم، ويحب للناس ما يحبّه لنفسه، ولا يلتمس صلاح نفسه بفساد غيره، فإنه من فعل ذلك كان خليقاً أن يصبه ما أصاب التاجر من رفيقه.

مثل الشريك المحتال

يقال أنه كان رجل تاجر وله شريك فاستأجرا حانوتاً وجعلا فيه متاعهما، وكان أحدهما قريب المنزل إلى الحنانوت فأضمر في نفسه أن يسرق عِدلا من أعدال رفيقه. وفكّر في الحيلة في ذلك، وقال: إن أتيت ليلاً لا آمن أن أحمل عدلا من أعدالي أو رزمة من متاعي ولا أعرفها فيذهب عنائي وتعبي باطلا. واخذ رداءه وألقاه على العِدل الذي أضمر أخذه ثم مضى إلى منزله. 

فجاء شريكه بعد ذلك ليصلح أعداله، فقال: “والله هذا رداء صاحبي ولا أحسبه إلا قد نسيه، وأما الرأي فأن لا أعده ها هنا بل أجعله على أعداله فلعله يسبقني إلى الحانوت فيجده حيث يحب. ثم ألقى الرداء على عدل من أعداله وقفل الحانوت وانصرف.

فلما كان الليل جاء رفيقه ومعه رجل قد واطأه على ما عزم عليه وضمن له جعلا على حمله، فصار إلى الحانوت والتمس الرداء في الظلمة فوجده على أحد الأعدال فاحتمله بعد الجهد الجهيد حتى أخرجه هو والرجل. ولم يزالا يتراوحان على حمله حتى أتيا به منزله ورمى نفسه تعباً. فلما أصبح نظر فإذا هو بعض أعداله فندم أشد الندم. ثم انطلق نحو الحانوت فوجد رقيقه قد سبقه وفتح الباب وتفقد العِدل فلم يجده، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً، وقال: واسوأتاه من رفيقي الصالح الذي ائتمنتني على ماله وخلّفني وانصرف، ماذا يكون حالي عنده ولا شك في تهمته إياي. ثم أتى رفيقه فوجده مغتمّاً فسأله عن حاله فقال له: إني قد فقدت عِدلاً من أعدالك ولا أعلم سببه ولا أشك تهمتك إياي، وإني قد وظّنت نفسي على غرامته. 

فقال له: لا تغتمّ يا أخي، فإن الخيانة شر ما عمله الإنسان. والمكر والخديعة لا يؤديان إلى الخير وصاحبهما مغرور أبدا، وما عاد وبال البغي إلا على صاحبه. وأنا أحد من مكر وخدع واحتال. فقال له رفيقه: وكيف كان ذلك؟ فأخبره بأمره وقص عليه قصته، فقال له صديقه: ما كان مثلك إلا كمثل اللص المخدوع والتاجر. قال: وكيف كان ذلك؟

مثل اللص المخدوع

قال: زعموا أنه كان تاجر في منزله خابيتان، إحداهما مملوءة حنطة والأخرى مملوءة ذهبا. فترقبه بعض اللصوص زماناً، حتى إذا كان في بعض الأيام تشاغل التاجر عن المنزل في بعض أشغاله فتغفله اللص ودخل المنزل وكمن في بعض نواحيه. فما همّ بأخذ الخابية التي فيها الدنانير أخذ التي فيها الحنطة فاحتملها. ولم يزل في كد وتعب حتى أتى منزله. فلما فتحها وعلم ما فيها ندم.

فقال له الخائن: ما بعّدت المثل ولا تجاوزت القياس وقد اعترفت بذنبي، غير أن النفس الردئية تأمر بالفحشاء. فقبل الرجل معذرته وأضرب عن توبيخه وعن الثقة به، وندم هو عندما عاين سوء فعله وتقدم جهله.

وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا أن لا يجعل غايته التصفح لتزاويقه، بل ليشرف على ما تضمن من الأمثال حتى يأتي على آخره ويقف عند كل مثل وكلمة ويعمل فيها رويته.

مثل الأخ الصغير والمحسن إلى أخويه

ويكون كأحد الإخوة الثلاثة الذي خلّف لهم أبوهم المال الكثير فتنازعوه بينهم. فأما الاثنان الكبيران فإنهما أسرعا في إتلافه وإنفاقه في غير وجهه. وأما الصغير فإنه عندما نظر إلى ما صار إليه أخواه من إسرافهما وخلوّهما من المال، أقبل على نفسه يشاورهما وتفكر في سر تصرف أخويه وقال: يا نفس إنما المال يطلبه صاحبه ويجمعه في كل وجهٍ لبقاء حاله وصلاح دنياه وشرف منزلته في أعين الناس واستغنائه عما في أيديهم وصرفه في وجهه من صلة الرحم والإنفاق على الولد والإفضال على الإخوان. فمن كان له مال ولا ينفقه، كان كالذي يعد فقيراً وإن كان موسراً. وإن هو أحسن إمساكه والقيام عليه، لم يعدم الأمرين جميعاً من دنيا تضاف إليه وحمدٍ يبقى عليه. ومتى قصد على حسرة وندامة.

وليكن الرأي في إمساك هذا المال بأن أعين أخويّ وينفعني الله تعالى به، وإنما هو مال أبي وأبيهما، وإن أولى الإنفاق صلة الرحم وإن بعدت فكيف بأخوي.

وكذلك يجب على قارئ هذا الكتاب أن يديم النظر فيه ويلتمس جواهر معانيه ولا يظن أن مغزاه إنما هو الإخبار عن حيلة بهيمتين أو محاورة سبع لثور، فينصرف بذلك عن الغرض المقصود، ويكون مثله مثل الصياد والصدقة.

مثل الصياد والصدفة

كان صياد في بعض الخلجان يصيد ذات يوم في الماء إذ أبصر صَدَفةً فتوهمها شيئاً، فألقى شبكته فاشتملت على سمكة كانت قريبا منها فخلاها وقذف نفسه في الماء ليأخذ الصدفة. فما أخرجها وجدها فارغة فندم على ما في يده وتأسف على ما فاته. ولما كان في اليوم الثاني تنحى عن ذلك المكان ورمى شبكته فأصاب حوتاً صغيراً فحاول أخذه ورأى أيضاً صدفة سنيّة فلم يلتفت إليها وساء ظنه بها وتركها. فاجتاز بعض الصيادين بذلك المكان فرآها وأخذها فوجد فيها درة تساوي مبلغاً وافراً.

وكذلك الجهال على إغفال أمر التفكّر والاغترار في أمر هذا الكتاب وترك الوقوف على أسرار معانيه والأخذ بظاهره دون الأخذ بباطنه. فقد قالت العلماء: إن مثل هذا الرجل الذي يظفر بعلم الفلسفة ويصرف همه إلى ابواب الهزل، كرجل أصاب روضة هواؤها صحيح وتربتها طيبة فزرعها وسقاها حتى إذا قرب خيرها وأينعت، تشاغل عن ثمرها بجمع ما فيها من الزهر وقطع الشوك فأهلك بتشاغله ما كان أحسن فائدة وأجمل عائدة.

وينبغي للناظر في هذا الكتاب ومقتنيه أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أقسام وأغراض: أحدهما ما قصد من وضعه على ألسن البهائم غير الناطقة ليتسارع إلى قراءته واقتنائه أهل الهزل من الشبان فيستميل به قلوبهم، لأن هذا هو الغرض بالنوادر من الحيوانات. والثاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الألوان والأصباغ ليكون أنساً لقلوب الملوك ويكون حرصهم أشد للنزهة في تلك الصور. والثالث أن يكون على هذه الصفة فيتخذه الملوك والسوقة فيكثر بذلك انتساخه ولا يبطل، فيخلق على مرور الأيام بل ينتفع بذلك المصور والناسخ أبدا.

والغرض الرابع، وهو الأقصى، وذلك يخص الفيلسوف خاصة، أعني الوقوف على أسرار معاني الكتاب الباطنة.

error: النسخ ليس ممكناً