قصة أسد الصحراء عمر المختار

مصنف: قصص تاريخية - -
3627 6
قصة أسد الصحراء عمر المختار

ولد المجاهد الليبي عمر المختار في عام 1858م في البطنان في الجبل الأخضر بالتحديد في مدينة برقة اسمه عمر المختار محمد فرحات ابريدان امحمد بوهديمة  ، وأمه عائشة بنت محارب.

ترعرع عمر المختار في بيت عز وكرم كانت تحيط به أخلاق المسلمين والصفات الحميدة التي استمدها من الدين الاسلامي ، وقد نشأ شيخ المجاهدين يتميًا فقد توفي والده وهو في طريقه إلى مدينة مكة لأداء فريضة الحج، فعهد وهو في حالة المرض إلى رفيقه أحمد الغرياني شقيق شيخ زاوية جنزور بأن يبلغ شقيقه بأنه عهد إليه بتربية ولديه عمر ومحمد ، وبعد عودة أحمد الغرياني من الحج، توجه فوراً إلى شقيقه الشيخ حسين وأخبره بما حصل وبرغبة مختار بن عمر أن يتولّى شؤون عمر ومحمد ، فوافق من غير تردد، وتولّى رعايتهما محققاً رغبة والدهما، فأدخلهما مدرسة القرآن الكريم بالزاوية، ثم ألحق عمر المختار بمعهد الدراسات الجغبوبي لينضم إلى طلبة العلم من أبناء الإخوان والقبائل الأخرى الذي مكث فيه 8 سنوات يتعلم فيهم من العلوم الشرعية الفقه والحديث وعلوم الحديث وأصول الفقه والسيرة وعلم التفسير …

خلال السنوات التي قضاها عمر المختار في الجغبوب حيث كان يكمل دراسته، تمكَّن من اكتساب سمعةٍ حسنةٍ وقوية عند شيوخ الحركة السنوسية. وقد بلغت تلك السمعة من القوة أن قرر محمد المهدي السنوسي ، ثاني زعماء السنوسية أخذ عمر المختار معه سنة 1895 برحلته من الجغبوب إلى الكفرة في جنوب شرق الصحراء الليبية.

بعد ذلك لمح فيه زعيم الحركة محمد المهدي الإدريسي النبوغ فقام بجعله شيخ على زاوية القصور في منطقة الجبل الأخضر قرب المرج ، ثم اصطحبه معه خلال رحلته للسودان أما أشهر الشيوخ الذين تتلمذ شيخ المجاهدين على أيدهم السيد الزرواني المغربي والشيخ العلامة فالح بن محمد بن عبدالله الظاهري المدني وغيرهم الكثير ، وشهدوا له جميعًا رجاحة العقل والخلق الرفيع وحب الدعوة.

أدَّت علاقته الوثيقة بالسنوسيّين إلى اكتسابه لقب سيدي عمر الذي لم يكن يحظى به إلا شيوخ السنوسية المعروفين.

في عام 1911 أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية ، وبدأت إنزال قواتها بمدينة بنغازي الساحلية شمال برقة في 19 أكتوبر الموافق الرابع من شوال عام 1329 هجري كان عمر المختار في مدينة الكفرة بقلب الصَّحراء في زيارة إلى السنوسيين، وعندما كان عائداً من هناك مرَّ بطريقه بواحة جالو ، وعلم وهو فيها بخبر نزول الإيطاليين ، فعاد مسرعاً إلى زاوية القصور لتجنيد أهلها من قبيلة العبيد لمقاومة الإيطاليّين، ونجح بجمع 1,000 مقاتل معه. وأول الأمر أسَّس عمر المختار معسكراً خاصاً له في منطقة الخروبة، ثم انتقل منها إلى الرجمة ، وأخيراً إلى بنينة جنوب مدينة بنغازي وهناك انضموا إلى الكثير من المقاتلين الآخرين، وأصبح المعسكر قاعدةً لهم يخرجون منها ويغيرون باستمرارٍ على القوات الإيطالية.

وقد رافق عمر المختار في هذه المرحلة من حياته الشيخ محمد الأخضر العيساوي، الذي روى أنه في خلال معركة السلاوي عام 1911، نزل المقاتلون الليبيون بينما كانوا يحاربون الإيطاليين إلى حقل زراعي للتخفّي فيه، وما إن وصلوه حتى بدأ الجنود الإيطاليون بإطلاق الرصاص الكثيف اتّجاه الحقل لقتلهم، وبينما هم على هذه الحال وجدوا حفرةً منخفضةً في الحقل، فأشاروا على عمر المختار بدخولها ليحتميَ من الرَّصاص، إلا أنه رفض بشدة، فدفعوه رغماً عنه وأدخلوه إليها، وظلَّ طوال المعركة يحاول الخروج منها وهم يمنعونه بالقوة .

في عام 1912 اندلعت حروب البلقان، فأجبرت الدولة العثمانية على عقد صلحٍ مع إيطاليا ،واضطر نتيجةً لذلك قائد القوات العثمانية التي تقاتل الإيطاليين ، عزيز بك المصري ، للانسحاب إلي الأستانة ، وسحب معه العسكر العثمانيّين النظاميّين في برقة ، وقد أثار هذا الانسحاب على الرغم من ضرورته وفقاً لشروط الصلح ، سخط المقاتلين، فأصروا على الجند العثمانيين أن يعطوهم أسلحتهم وهو ما يناقض شروط الصلح، فرفضوا، وعندما يئس المقاتلون أطلقوا على العثمانيين النار، فنشبت معركة سقط فيها قتلى من الطرفين، وعندما تأزَّم الوضع أُرسِلَ عمر المختار لفضّ النزاع، فلحق بالمقاتلين ونجح بإقناعهم بالعودة والتخلّي عن فكرة قتال العثمانيين ، ظلَّ عمر المختار في موقع قيادة القتال ضد الطليان بكامل برقة حتى وصول أحمد الشريف السنوسي إلى درنة في عام 1913 الموافق عام 1331 هـ، فاستلم هو القيادة وظلَّ عمر المختار عوناً كبيراً له إلا أن أحمد الشريف هاجر وترك برقة، فاستلم القيادة منه الأمير محمد إدريس السنوسي.

شهدت هذه الفترة أعنف مراحل الصّراع ضد الطليان، وقد تركَّزت غارات وهجمات عمر المختار فيها على منطقة درنة ، وكان عمر المختار يتنقل أثناء غاراته على الطليان بين منطقتي زاوية القصور وتكنس حتى وقوعهما في أيدي الإيطاليّين بشهر سبتمبر عام 1913، وفي هذه الفترة انتكست المقاومة الليبية نتيجة القحط الذي أصاب البلاد في عامي 1913 إلى 1915، ثم استيلاء الطليان على أغلب المناطق الحيوية في وسط وشمال برقة عام 1916 ….

وكانت جميع معارك عمر المختار تعتمد على الكر والفر ولم يكن لديه جيش نظامي بل كانت حروب بسيطة لأن المجاهدين لا يمتلكون نفس القوة والعتاد فقد أبدى صنوف من الشجاعة والبطولة ولفت إليه أنظار القادة العسكريين وأصبح عمر المختار قاد المجاهدين في إقليم برقة بعد انسحاب العثمانيين بضغط من أوروبا وانسحب المتطوعون من مصر بضغط من إنجلترا.

فجعل الأعداء يفكرون في هجوم شامل على الجبل الأخضر ولكنه هزمهم شر هزيمة ولكن بعدما حدثت تغيرات سياسية في نظام الحكم في إيطاليا ومن ثم جاء الحكم الفاشي بقيادة موسوليني والذي عين بونجيوفاني حاكمًا جديدًا على ليبيا ، ووضع تحت تصرفه جيش يقوده جزار إيطاليا جرازياني بمعاونة الجنرال بادوليو والذي أحب التفاوض مع المختار ليتعرف على طريقة تفكيره ومعنوياته وسأله ما شروط المصالحة مع إيطاليا فقال ألا تتدخل إيطاليا في أمور ديننا وأن تخرج من بلادنا وعرف أنه أمام مجاهد من طراز فريد.

وأصبح عمر المختار هو الأسد الوحيد الباقي في الميدان فقد اضطر محمد إدريس السنوسي اللجوء لمصر وترك ليبيا وظل رافع لواء الجهاد ويقوم بحرب عصابات لمدة 8 سنوات وقد انقطعت عن ليبيا كل المساعدات الخارجية وزادت إيطاليا في وحشيتها حتى أنهم قتلوا في طرابلس وبرقة وحدها أكثر من نصف مليون وبالرغم من إستيلاء إيطاليا على معظم الأراضي الليبية ظل هو يجاهد ويقاتل على الرغم من سنوات عمره التي جاوزت السبعين .

وجد عمر المُختار نفسه قد تحوَّل من مُعلّم للقرآن إلى مُجاهد يُقاتل في سبيل دينه وبلاده لدفع الاحتلال عنها ، وكان قد اكتسب خبرة كبيرة في أساليب وتكتيكات الحروب الصحراويَّة أثناء قتاله الفرنسيين في تشاد، وكان له معرفة سابقة بجغرافية الصحراء وبدروبها ومسالكها وكل ما يتعلق بها، فاستغل هذه المعرفة وتلك الخبرة ليحصل على الأفضلية دومًا عند مجابهته الجنود الإيطاليون غير العارفين بحروب الصحراء وغير معتادين على قحطها وجفاف.

في شهر أكتوبر سنة 1930 تمكن الطليان من الاشتباك مع المجاهدين في معركة كبيرة عثروا عقب انتهائها على نظّارات عمر المختار، كما عثروا على جواده في ميدان المعركة ، فثبت لهم أن المختار ما زال على قيد الحياة ، بعد ان كانوا يعتقدوا انه قد قتل في احد المعارك ، وأصدر غراتسياني منشورًا ضمنه هذا الحادث حاول فيه أن يقضي على “أسطورة المختار الذي لا يقهر أبدًا” وقال متوعدًا : “لقد أخذنا اليوم نظارات المختار وغدًا نأتي برأسه”
وفي 11 سبتمبر من عام 1931 توجَّه عمر المختار بصحبة عدد صغير من رفاقه لايتجاوزو الخمسين،وبينما كان يستطلع قوات العدو ، فوجئ بقوات ضخمة من العدو تحاصره ودارت معركة غير متكافئة استشهد فيها معظم الفرسان وسقط هو بجراحه وأخذ أسيرًا.

عندما وصل الأسير إلى بنغازي، لم يُسمح لأي مراسل جريدة أو مجلَّة بنشر أية أخبار أو مقابلات، وكان هناك المئات من الناس عند نزوله في الميناء ولم يتمكن أي شخص مهما كان مركزه أن يقترب من الموكب المُحاط بالجنود المدججين بالسلاح. ونُقل المختار في سيارة السجن تصحبه قوة مسلَّحة بالمدافع الرشاشة حيث أودع في زنزانة صغيرة خاصة منعزلة عن كافة السجناء السياسيين وتحت حراسة شديدة، وكان يتم تغيير الحراس كل فترة…

لم يصدق وزير المستعمرات الخبر في البداية. و غراتسياني الذي كان متوجهًا إلى باريس نزل من قطاره ليعود مسرعًا إلى بنغازي. ثم انقلبت دهشتهم إلى فرح هستيري، والإصرار على محاكمة فورية والإعدام بصورة مُثيرة كما جاء في برقيَّة دي بونو وزير المستعمرات إلى بادوليو حاكم ليبيا ، لكن ما فاجأ الطليان كان هدوء الأسير وصراحته المُذهلة في الرد على أسئلة المُحققين، بثباتٍ تام ودون مراوغة ….
إذ قال لهم : نعم قاتلت ضد الحكومة الإيطالية، لم أستسلم قط ، و لم تخطر ببالي فكرة الهرب عبر الحدود ، اشتركت في معارك كثيرة لا أستطيع تحديدها ، وما وقع ضد إيطاليا والطليان، منذ عشر سنوات وحتى الآن كان بإرادتي وإذني ، وكانت الغارات تنفذ بأمري، وبعضها قمت به أنا بنفسي ، الحرب هي الحرب ، أعترف بأنه قبض علي والسلاح بيدي ولا اخاف عدوي ولا أشعر بالندم …
وبالطبع حاول غراتسياني ايضآ أن يحقق مع المجاهد الشيخ ،وقام بسؤاله محاولآ ادلاله ..
قال غراتسياني: لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة ؟
أجاب المختار : من أجل ديني ووطني ..
غراتسياني: ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه ؟
فأجاب المختار : لا شيء إلَّا طردكم … لأنكم مغتصبون … أما الحرب فهي فرضٌ علينا وما النصر إلا من عند الله ..
غراتسياني : لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك أن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم ؟
فأجاب المختار : لا يُمكنني أن أعمل أي شيء ، نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلَّنا الواحد بعد الأخر، ولا نسلّم أو نُلقي السلاح…

وقررت المحكمة الإيطالية إعدامه وعمره تجاوز 73 عامًا ، وفي يوم الاربعاء ،السادس عشر من سبتمبر عام 1931م اتخذت جميع التدابير اللازمة بمركز سلوق لتنفيذ الحكم ،وقد قاموا بجمع حشد كبير من الأهالي وجمع المعتقلين السياسيين خصيصًا من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم …
وأُحضر المختار مكبل الأيادي وفي تمام الساعة التاسعة صباحًا سلم إلى الجلاد، وبمجرد وصوله إلى موقع المشنقة أخذت الطائرات تحلق في الفضاء فوق ساحة الإعدام على انخفاض، وبصوت مدوي لمنع الأهالي من الاستماع إلى عمر المختار إذا تحدث إليهم أو قال كلامًا يسمعونه، لكنه لم ينبس بكلمة، وسار إلى منصة الإعدام وهو ينطق الشهادتين، وقيل عن بعض الناس الذين كان على مقربة منه انه كان يؤذن في صوت خافت آذان الصلاة عندما صعد إلى الحبل، والبعض قال أنه تمتم بالآية القرآنية: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ..
والبعض قال أنه قال قوله الشهير ..

” نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت وتلك ليست النهاية بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي ”

نفذ حكم الإعدام في تمام الساعة صباحًا في مدينة بنغازي بعد جهاد طويل مع الاعداء ،وقد كان الشيخ المجاهد سعيد بنيل الشهادة …

وكان لإعدامه أثر في الخروج بالمظاهرات والمسيرات الاحتجاجية في كل الدول العربية وأقيمت المأتم له في مختلف أنحاء البلاد وصلوا عليه صلاة الغائب في جامع بني أمية في دمشق وكانت ردت الفعل شعبية عارمة تجلت في الصحف والرثاء من أحمد شوقي وخليل مطران وغيرهم ، رحم الله شيخ المجاهدين …

فقد شهدت الصحراء في ليبيا المعارك التي خاضها عمر المختار وبصم عليها دماء الشهداء وقد كبد المجاهدون المحتلين خسائر هائلة لا تحصى في العتاد والذخيرة والأرواح وثبتوا أمام عدوهم مع أنهم لا يملكون أي شيء ، فقد حارب بسيفه حتى امتلأ الخوف قلوب أعدائه .

رثا أمير الشعراء أحمد شوقي عمر المختار بقصيدة من الشعر قال فيها :

إِفريقيا مَهد الأُسودِ ولحدُها *** ضجت عليك أَراجلاً ونِساء
والمسلِمونَ على اِختلافِ ديارهم *** لا يَملكونَ مع المصاب عزاء
وَالجاهلية من وَراء قبورهم *** يَبكونَ زيدَ الخَيلِ والفلحاء
في ذِمة الله الكَريم وَحفظه *** جسد بِبرقة وسد الصحراء

كما رثاه الكثير من الشعراء الآخرين ونظموا عنه الشعر ،
ظهرت شخصية عمر المختار في فيلم “أسد الصحراء” بالإنجليزية: “Lion of the Desert” وسميت النسخة العربية منه باسم “عمر المختار”، فيلم تاريخي أنتج في عام 1981 م من بطولة أنتوني كوين والذي قام بأداء دور القائد الليبي عمر المختار في محاربة جيش موسوليني قبيل الحرب العالمية الثانية…
الفلم من إخراج المخرج السوري مصطفى العقاد وبلغت ميزانيته حوالي 35 مليون دولار أمريكي،
بدأ تصوير الفيلم في 4 مارس 1979 م في منطقة صحراوية تبعد 64 كم عن مدينة بنغازي في ليبيا, وأيضا في منطقة الواحات بالقرب من مدينة اوجلة وفي الجبل الأخضر شرقي ليبيا علما بأن معظم مواقع التصوير كانت هي مواقع الأحداث الحقيقية، وانتهى في 2 أكتوبر من نفس العام. تم أول عرض عالمي للفيلم يوم 4 أبريل 1981 م في دولة الكويت، كما عرض في نفس الشهر في الولايات المتحدة الأمريكية وأجزاء أخرى من العالم. وقد اشترك في الفيلم ما يقارب 250 ممثلاً ، بالإضافة إلى أكثر من 5000 من الممثلين المساعدين.

منعت الحكومة الإيطالية هذا الفيلم من العرض في إيطاليا نظرا لاعتباره يشوه صورة الجيش الإيطالي والحكومة الايطالية ، حتى عام 2009، عندما عرض التلفاز الإيطالي الفيلم يوم الخميس 11 يونيو 2009 على قناة “سكاي سينما” الإيطالية، بعد أن تمت دبلجته إلى اللغة الإيطالية.

بالإضافة إلى ذلك، يظهر المختار أسد الصحراء على العملة الورقية الليبية من فئة عشرة دنانير …

error: النسخ ليس ممكناً