قصة الحصان الطائر

  مصنف: متفرقات - -
التعليقات على قصة الحصان الطائر مغلقة 635 0
قصة الحصان الطائر

كان ذلك الصّباح المُشرق من أيّام الربيع الجميلة، يوم عيد ميلاد الأمير فيروز، ابن حاكم البلاد وسلطانها.

جلس السلطان ياقوت، والد الأمير، في قاعة القصر، لإستقبال وفود المُهنّئين القادمين من كلّ أنحاء مملكته. ووقف عن يساره ابنه الأمير فيروز وجلست ابنته الأميرة زُمرّدة عن يمينه. وكان أركان الدّولة وأغنياؤها وكبار التّجار يجلسون في القاعة وهم يرتدون أجمل الثياب، ورائحة العطور الزّكية تفوح في الجو، بعد أن ارتفعت الزينات وأقواس الزهور فوق الأبواب وفي مختلف أرجاء القصر وحدائقه.

كانت وفود المُهنّئين تتوافد من البلاد والقرى إلى القصر لتهنّئه بهذه المناسبة السعيدة. وكان كل وفدٍ يحمل هديةً ثمينةً ليقدمها إلى سيّد القصر ياقوت، وابنه الأمير الشاب فيروز. فهذا تاجر يحمل بعض الجواهر الغالية، وذلك مُزارع يقدّم أطيب أنواع الفاكهة والثمار، وثالثٌ يجرّ فَرَسه الأصيلة لتكون في عداد خيل السلطان، ورابع يبدو عليه أنّه فقير يحمل صُرّةً تحتوي على هديةٍ متواضعةٍ.

وكان كلّ قادمٍ يدخل القاعة فيلقي التّحية على السّلطان ثم على الحاضرين، ويجلس في جانبٍ من القاعة. وكان السّلطان يردّ التحية مُبتسمًا ويسأل كلّ شخصٍ عن أحواله وأحوال قريته وأقربائه.

وبعد قليلٍ، دخل القاعة شيخٌ عجوزٌ مُقوّس الظّهر ذو هيئةٍ غريبةٍ وثيابٍ مُزركشة الألوان، دعت الجميع إلى الإلتفاف إليه. فإذا هو يجرّ وراءه حصانًا أسود اللّون فاحمًا، أصفر العرف والذّيل، يتحرّك تحرّكًا آليًا، ويقفز قفزاتٍ غريبةً. وكان رأسه يتحرّك إلى أعلى حينًا وإلى أسفل حينًا آخر، ويفتح فمه ويغلقه على شكلٍ غير معروفٍ لدى سائر الخيل.

انحنى الشّيخ بأدبٍ بين يديّ السّلطان الذي ما لبث أن توقّف عن تدخين نارجيلته، وحدّق في هذا القادم الغريب.

قال الشيخ: أيّها الحاكم العادل! لقد فكّرتُ كثيرًا في اختيار هديةٍ ثمينةٍ أقدّمها إلى الأمير فيروز في عيد ميلاده، فوَجَدتُ أنّ عظماء البلاد قد قدّموا أغلى الجواهر وأثمن الهدايا، وأن سائر الناس قدّموا أحسن ما عندهم من ثيابٍ أو ثمارٍ أو طيورٍ أو غزلان، فلم أجد خيرًا من أن أقدّم لمولاي السّلطان هذا الحصان العجيب. إنّه ليس كسائر الأحصنة. فهو يستطيع أن يسابق الرّيح وأن يرتفع في الجو ويطير في الهواء، فوق السهول والجبال والأنهار والبحار. إنّه لا يأكل ولا يشرب، ومع ذلك فهو قويّ لا يتعب ولا يضعف أبدًا.

ولهذا الحصان، أيّها السّلطان العظيم، سرّ لا يعرفه أحد. وستعمّ شهرتك الآفاق، بين الملوك، عندما أكشف لك عن هذا السر. وليس لي عندك إلاّ طلب واحد، هو أن توافق يا سيّدي السّلطان على أن أعمل في خدمتك في هذا القصر، فأكون وزيرًا لشؤون هذا الحصان.

وما إن سمع ابن السلطان، الأمير فيروز، هذا الكلام حتّى قفز بسرعةٍ إلى ظهر الحصان الذي انطلق فورًا إلى الخارج ثم إلى أعلى. وطار بالأمير فوق القصر واتّجه إلى الفضاء. وكان عباءة الأمير الحمراء الفضفاضة كأنّها مظلةٌ جميلةٌ فوقهما.

أخذ الأمير ينظر حوله وتحته فيرى الجبال والسهول، والأودية تمرّ تباعًا. وكان كلّ منظرٍ أجمل من سابقه. فهُنا نهرٌ تجري مياهه بسرعةٍ وتتلاطم أمواجه تحت أشعّة الشمس البرّاقة. وهناك أشجار ومزارع بألوانها الخضراء الزاهية، وهناك بيوت متفرّقة وقصور فخمة تظهر وتغيب تحت السّحاب المتحرّك.

وبعد قليلٍ انقلب سرور الأمير إلى تفكيرٍ ثمّ إلى اضطرابٍ، وتساءل في نفسه: كيف أستطيع العودة إلى الأرض؟ إنّ العجوز لم يطلعني على سرّ الحصان، وكيف يمكنني أن آمره بالهبوط.

أخذ الأمير يجسّ جسم الحصان، فيمرّ يديه على ظهره وعنقه، وشعره وكتفيه، من دون أن يظهر له شيءٌ، ومن دون أن يتغيّر اتّجاه الحصان وسرعته. وأخذ قَلَق الأمير يتزايد ويتعاظم: هل يظلّ في الجو وقتًا طويلاً من دون توقف، ومن دون طعامٍ وشراب؟

وكاد يتحوّل قلقه إلى غضبٍ شديدٍ، وكان يلعن السّاعة التي قبل فيها هدية العجوز.. ولكن يده لمست شيئًا بارزًا بين أذنيّ الحصان. إنّه أشبه بالمسمار الصّغير المغروس في رأس الحصان. فعبث الأمير بالمسمار وحرّكه. وما أعجبَ ما حدث! فقد عثر الأمير على الشّيء الذّي كان يبحث عنه. أخذ الحصان بالتّمهل في الفضاء، وبعد قليلٍ هبط شيئًا فشيئًا، حتى استقرّ على أرضٍ قريبةٍ من قصرٍ جميلٍ له قباب كثيرة، يدلّ على أنّ أصحابه من الأمراء أو كبار الأغنياء.

كان القصر الفخم لوالي المدينة، وكانت ابنةُ الوالي الأميرة بدُوُر، تنظر من نافذة غرفتها عندما وقع بصرها على منظرٍ عجيبٍ لم تر في حياتها مثله. رأت حصانًا أسود يطيرُ في الجوّ، وعلى ظهره فارس غريب ويهبط في مكانٍ قريبٍ من غرفتها. ففزعت وصرخت بأعلى صوتها: “النّجدة.. النّجدة.. النّجدة..!”

لم تستطع أن تقول شيئًا آخر. فقد انعقد لسانها من الخوف.. ولكنّ رجال حرس القصر كانوا قد سمعوا استغاثة الأميرة، فأسرعوا إلى نجدتها ورأوا الفارس الغريب وحصانه الأسود في حديقة القصر. عندئذٍ أسرعوا إلى أسلحتهم فحمل كلّ منهم سيفه أو رمحه، وامتطوا خيولهم واتّجهوا نحو الفارس الغريب.

شعر الأمير بالخطر، فقفز إلى ظهر حصانه وأسرع بالخروج من حديقة القصر. فتبعه رجال الحرس على خيولهم وهم يطلبون إليه الوقوف والإستسلام.

ولكنّ الأمير ظلّ يجري بحصانه من دون أن يردّ عليهم، كما ظلّ رجال الحرس يلاحقونه حتّى تجاوزوا أسوار المدينة وأصبحوا خارجها.

عندئذٍ اطمأنّ الأمير فيروز أنّ جميع الحرس أصبحوا بعيدين عن القصر، وأنّ الفتاة التي استغاثَت بالحرس أصبحت وحيدةً في غرفتها من غير حراسةٍ. فأسرع عائدًا إلى القصر على ظهر حصانه الذّي ارتفع في الجو، وما لبث أن حطّ على سطح الغرفة التي انطلق منها صوت الفتاة.

قال الأمير فيروز في نفسه: لا بُدّ أن تكون هذه الفتاة ذات مكانةٍ كبيرةٍ لكي يحرسها عددٌ كبيرٌ من الفرسان الأشدّاء ويحافظون عليها في هذا القصر الكبير.

نزل الأمير فيروز عن حصانه ودخل غرفة الأميرة بدُوُر التي فوجئت وحاولت أن تصرخ.

ولكنّ الأمير فيروز أسرع وخاطبها بأدبٍ وتهذيبٍ، وعرّفها بنفسه: إنّه فيروز، ابن سلطان البلاد. وروى لها قصّته كاملةً، وكيف أن عجوزًا أهداه في عيد ميلاده حصانًا عجيبًا يطيرُ في الجو، كما يجري على الأرض. وحدّثها كيف أعجبه صوتها عندما استغاثت برجال الحرس، وعزم على أن يعود إليها ليعرف مَن هي صاحبة ذلك الصّوت الجميل.

اطمأنّت الأميرة بدُوُر إلى الأمير فيروز، وأُعجِبَت بقصّته الخارقة. وأحبّت صدقه وأدبه وشجاعته. وأسرعت إلى أبيها الوالي، الذي كان في جناحٍ آخرٍ من القصر، وقالت له: سيّدي الوالد، أُقدّم إليك الأمير فيروز، ابن سلطان البلاد.

رحّب الوالي بالأمير وأحسَنَ استقباله، ورغب إليه أن يظلّ في ضيافته عدّة أيّامٍ.

وعندما عَلِم أبناء المدينة بوجود الأمير فيروز في ضيافة الوالي، أقبلوا من كلّ مكانٍ يرحّبون به، وأقاموا الزينات على الأبواب، وعلى مداخل الطّرق. وتجمّعوا حلقاتٍ حلقاتٍ يرقصون ويغنّون الأغاني الشعبية التي ترحّب بالضيف. وأقام الوالي مأدبةً كبيرةً على شرف الأمير الشّاب، حضرها تجار المدينة وشبانها. وكانوا كلّهم يتحدّثون عن شجاعة الأمير وحصانه العجيب.

وفي هذه الأيّام التي قضاها الأمير فيروز في ضيافة الوالي، ازدادت معرفته بالأميرة بدُوُر، وبأخلاقها الرّفيعة وحديثها الرقيق، وازداد إعجابه بها وأحبّها حُبًا شديدًا، وطلب إلى والدها أن يوافق على زواجها منه. فرحّب الوالي بذلك مسرورًا مُبتهجًا.

وبعد حفلة الزفاف الرائعة، تهيّأ العروسان للسّفر، واستأذنا الوالي الذي وقف يودّعهما وهما يمتطيان الحصان الأسود. وما هي إلاّ دقائق حتى ارتفع الحصان في الجو، متمهّلاً أوّل الأمر ثم انطلق مسرعًا بين دهشة الناس واستغرابهم. وما لبث أن غاب الحصان والعروسان عن الأنظار.

وبعد أن اجتاز الأميران العروسان الجبال والسهول، وحلّقا فوق القرى والأنهار، هبطا في حديقة قصر السلطان ياقوت، والد الأمير فيروز. ولمّا علم السّلطان بعودة ابنه مع عروسه أقيمت الأفراح والحفلات في عاصمة البلاد. وأقبل الناس يهنّئون السلطان ياقوت والأمير فيروز، ويستمعون إلى قصّة حصانه الطائر، وكيف تعرّف إلى عروسه الأميرة بدور.

كان كلّ النّاس فرحين بعودة الأمير وبزفافه، ما عدا واحدًا. لم يشارك في فرح العاصمة وأبنائها.. ذلك هو العجوز صاحب الحصان الطائر. وكان قد قضى أيّامه طوال مدّة غياب الأمير فيروز عن القصر في ظلمة السجن.

كان السلطان ياقوت قد غضب غضبًا شديدًا عندما رأى ابنه الأمير يقفز على ظهر الحصان ويطير به ويغيب عن الأنظار. فطلب السلطان إلى العجوز أن يعيد الحصان والأمير إلى الأرض. ولكن العجوز قال إنّ سرّ قيادة الحصان موجود في مسمار بين أذنيه، ولا يمكنه أن يفعل شيئًا ما دام الحصان بعيدًا في الجو. فلم يكن من السّلطان إلا أن أمر بحبس العجوز إلى أن يعود الأمير سالمًا. وهدّده بالموت إذا أصيب الأمير بمكروهٍ.

دخل العجوز السجن حزينًا غاضبًا من أمرين: من السّجن الذي وُضِعَ فيه، ومن السّر الذي لا بُدّ أن يكون الأمير قد اهتدى إليه. وهو يريد أن يحتفظ به لنفسه، لكي يبقى وزيرًا في القصر لشؤون الطّائر!!

ولمّا عاد الأمير فيروز، ابتهج السلطان بعودة ابنه الحبيب مع عروسه وأفرج عن العجوز وأكرمه، وهنّأه على حصانه الأعجوبة. ولكن العجوز لم يكن راضيًا بعد أن عرف غيره سرّ الحصان. كما إنّه لم يكن يستطيع أن ينسى أيّام السّجن المُظلمة وآلامه الطويلة فيه. إنه كان يتوقّع أن يصبح وزيرًا مُكرّمًا، فأصبح سجينًا مُعذّبًا. لذلك عزم على أن يتخلّص من الحصان الذي سبّب له هذا العذاب.

أخذ العجوز يجمع أكوامًا من القش والعيدان اليابسة، ويضعها في وسط حديقة القصر، وأشعل فيها النار. ثم أخذ يتلو كلامًا غير مفهومٍ ويردّده مرةً بعد مرةٍ… فاستغرب الذين شاهدوا النّار تشتعل وتساءلوا ماذا يريد العجوز أن يفعل، بينما كان الحصان يتّجه لوحده نحو النّار ويدخل فيها، ويشتعل معها. وما لبث أن غاب الحصان في النّار ثم أصبح رمادًا بعد أن خمدت. وهنا هرب العجوز واختفى عن الأنظار. وحزن الجميع لإحتراق الحصان العجيب.

أمّا الأمير فيروز، فقد التفت إلى زوجته الأميرة بدور، وقال: إنني لن أحزن.. فقد أدّى الحصان مهمّته، وجعلني أعثر على أجمل كنزٍ رأيته في حياتي، هو زوجتي بدور. ولستُ في حاجةٍ إليه بعد الآن. فَسُرَّت الأميرة بدُوُر بكلام أميرها وأجابته بدلالٍ: نعم، إنّك لستَ بحاجةٍ إليه، لئلا تأتي بزوجةٍ أخرى!

error: النسخ ليس ممكناً