قصة السيدة هاجر زوجة ابراهيم عليه السلام

  مصنف: قصص الانبياء - -
التعليقات على قصة السيدة هاجر زوجة ابراهيم عليه السلام مغلقة 3900 3
قصة السيدة هاجر زوجة ابراهيم عليه السلام

يُحكى أن هاجر كانت إحدى الأميرات المِصرية، ولكن حدث أن أغار عليهم أحد الغُزاة، فأصبحت أسيرة عندهم إلى أن أصبحت جارية لسارة زوجة النبي إبراهيم، وهي أول من ثقبت أذنها وأطالت ذيلها من النساء.
وقد ذكر ابن كثير أنها كانت أميرةً من العماليق وقيل أيضًا من الكنعانيين الذين حكموا مصر قبل الفراعنة، وأنها بنتُ زعيمهم الذي قتله الفراعنة، ومن ثم تبناها فرعون، وعندما أراد فرعونُ سوءًا بسارة دعت اللهَ فشلت يداه، فقال فرعون : ادعي ربك أن يشفي يداي وعاهدها أن لا يمسها، ففعلتْ فشفى اللهُ يديه، فأهدَى إليهَا الأميرةَ القبطيةَ المصريةَ هاجر إكرامًا لها وليس خادمةً كما يدعى اليهود في كتبِهم
وأيا كانت الآراء أو الاختلافات عن أصل السيدة هاجر إلا أن اختيار الله سبحانه وتعالى لمعيشة تلك الفتاة المؤمنة في بيت النبوة الإبراهيمية كان لتهيئتها لدور أكبر ،وتشريفها بمكانة عظمى وتأييدها بمعجزات عظيمة تظل تذكر إلى يوم الدين.
بقيت السيدة هاجر عمراً مع السيدة سارة فـتحابا في الله وعلمتها السيدة سارة من أمور الدين والتوحيد والعلم الرباني وأخذا علمهما من أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي يقول عنه الله سبحانه وتعالى:

{ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} [آل عمران _67].

وكما هو معروف فإن السيدة سارة زوجة إبراهيم كانت لا تنجب وكان سيدنا إبراهيم عليه السلام قد صار شيخاً وابيض شعره من خلال عمر أنفقه في الدعوة إلى الله.
ففكرت سارة أنها وإبراهيم وحيدان وهي لا تنجب فماذا لو قدمت إليه هاجر ويأتي منها بولد.
وفي روايات أنها قالت لسيدنا إبراهيم لو تزوجت هاجر رجوتها أن تنجب لك .
ويقال كان عمر السيدة سارة وقتئذٍ ست أو سبع وسبعين عاماً فيما كان عمر سيدنا إبراهيم ست أو سبع وثمانين عاماً.
وظهرت علامات الحمل على السيدة هاجر وكانت فرحة لما وهبها الله في أحشائها وربما اختلطت مشاعر الفرح بالخوف ،لأنها خافت من غيرة النساء فالسيدة سارة في نهاية الأمر امرأة وستغار على زوجها .

وهنا تقول كتب التفاسير إن هذا قد حدث فعلاً وشكت السيدة سارة لزوجها إبراهيم أن هاجر قد تغيرت وربما ساء الوضع، وهنا خافت السيدة هاجر فخرجت بسرعة وربما هاربة فجاءتها البشارة بأنها ستلد غلاما وتسميه إسماعيل وأن ولدها هذا سيكون سيداً وسيملك جميع بلاد أخوته .

وولدت السيدة هاجر أول ذرية سيدنا إبراهيم، ويا بشرى هاجر بولدها الذي مدحه الله تعالى وذكر اسمه في كتابه العزيز، ومدح خلقه وأثنى عليه وليس ذلك فقط بل كان من نسله أشرف الخلق أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وكان يُحكى أن غيرة السيدة سارة من هاجر أم إسماعيل اشتدت بشكل كبير.
حتى يقال إن السيدة سارة أقسمت أن تقطع أحد أعضاء السيدة “هاجر” ولما هدأت نفسها قالت لسيدنا إبراهيم : ماذا أفعل في قسمي هذا؟
فقال لها: اثقبي لها أذنيها تكوني قد أبررت بقسمك فثقبت أذنيها وألبستها قرطا أي حلقاً فأصبحت أكثر جمالاً، فاشتدت غيرة السيدة سارة منها أكثر .
وتمر الأيام وتشتد الغيرة ولا أحد يعتب أو يلوم إنها الفطرة البشرية وطبيعة النفس الإنسانية.
وتأتي اللحظة الفاصلة في حياتها ويخبرها زوجها إبراهيم أن أمامهم رحلة طويلة إلى بلاد بعيدة فتحضر زاداً وزواداً وكان عبارة عن تمر وماء وتستعد لتلك الرحلة التي يمتحن فيها الله سبحانه وتعالى تلك الأم الحنونة .
وكان إسماعيل ما زال رضيعاً لم يفطم بعد، وبدأت الرحلة، ويسير سيدنا إبراهيم وسط أرض مزروعة تأتي بعد صحراء تأتي بعدها جبال حتى دخل إلى صحراء الجزيرة العربية حيث لا زرع ولا ثمر ولا شجر ولا طعام ولا ماء ولا شراب، وكان المكان يخلو تماما من علامات الحياة، ونزل إبراهيم من فوق دابته وأنزل زوجته وولده وتركهما هناك مع جراب فيه بعض الطعام والماء ثم استدار تاركاً إياهما.
ولنا أن نتخيل الموقف العصيب الذي يواجه السيدة هاجر ووليدها الصغير .
فتذهب وتلحق بزوجها إبراهيم و تتمسَّك بهِ لتمنعه من الذهاب وتقول له : يا إبراهيم، إلى أين تذهب وتتركنا في هذا المكان الذي لا أنيس فيه ولا زرع ولا ماء، ألا تخاف أن نهلك هنا جوعًا وعطشًا؟،
تقول له ذلك مراراً، ولا يرد عليها وسيدنا إبراهيم لا يرد على زوجه ليس استكبارا ولا قسوة، فهو الذي يقول عنه ربه :
{إن إبراهيم لحليم أواه منيب} [هود _ 75].

إنما كان ذلك امتثالاً لأمر ربه، ولأنها كانت لحظة قاسية على نفسه هو أيضا فهذا هو الطفل الذي تمناه من الله أتى إليه على كبر وهذه زوجته التي أنجبت له ابنه إسماعيل وكم كان يحبها .

أما السيدة سارة أيضا فقد نالتها حسرات الأمومة وقد بلغت الثمانين من عمرها، فهل يضيع منها الزوج والأمل ؟
ولكنه الاختيار الإلهي لثلاثتهم، الزوج الذي يفارق الابن الذي طالما انتظره .
والأم التي تواجه مصيراً مجهولاً لا تعرف ماذا سيحدث لها .
والزوجة الأولى التي انقلبت لياليها واشتدت غيرتها وهي لا تملك من نفسها شيئاً وهي التي زوجته إياها .
وفي الحديث الشريف:
“إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط”.
وينطلق سيدنا إبراهيم بعيداً!!
رقَّ قلبه عليهما ولكنَّ هذا أمر ربِّه وليس له حيلةٌ في هذا الأمر، ولكنَّ هاجر ألحَّت عليه كثيرًا في السؤال .
فتسأله السيدة “هاجر”: هل الله أمرك بهذا ؟
فقال: نعم ، إنَّ الله هو الذي أمرَني بتركِكم في هذا المَكان، ولَن يضيِّعكم الله تعالى .
فقالت : إذن لا يضيعنا، ثم رجعت .
ثمَّ رفعَ إبراهيم يديه داعيًا متضرِّعًا إلى الله سبحانه وتعالى، كما وردَ في كتاب الله العزيز على لسان إبراهيم عليه السلام

قال تعالى :
“ربَّنَا إنِّي أَسكَنْتُ منْ ذرِّيَّتِي بوَادٍ غَيرِ ذي زَرعٍ عنْدَ بيتِكَ المحَرَّمِ ربَّنَا ليُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجعَلْ أَفْئدَةً منَ النَّاسِ تهوِي إِلَيهِمْ وارزُقْهُمْ منَ الثَّمرَاتِ لعَلَّهُمْ يَشكُرُونَ” [٣]،

ثمَّ عاد إلى بلاد الشام وليس في يده حيلة إلا الدعاء والتضرع.

وما أروع ما قالته السيدة هاجر عندما قالت : إذن لا يضيعنا ،وما أحسن ظنها بربها وما أعظم صبرها، فها هي الساعات تمر وجعلت هاجر أم إسماعيل ترضع ولدها وتشرب من الماء حتى نفد الماء فعطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه وهو يتلوى من شدة العطش، فابتعدت عنه، وظنت أنه سيموت فكرهت أن تراه وهو يموت، وظلت تهرول نحو الصفا أقرب جبل إليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر !! هل ترى أحداً؟
فلا تجد فتهبط من جبل الصفا، وتهرول مرة أخرى وتصل إلى الطرف الآخر عند جبل المروة، وتستقبل قمته وتنظر !! هل من أحد هل من معين ؟

فلا تجد أحداً، وتفعل ذلك مرة تلو الأخرى حتى بلغت سبعاً، وبلغ جهدها الذروة فسمعت صوتاً حسبته نفسها، فإذا هو صوت الفرج ومعجزة الله لأمته الصالحة وأم نبيه الصالح .
فقد بعث الله البشرى، وملكه الأمين جبريل عليه السلام فضرب الأرض بجناحه لتخرج عين الماء نحوها فجعلت هاجر تغرف من مائها وتحاول جاهدة أن تنقذ طفلها وقلبها ينطق بحمد الله على نعمته لها، فشربت السيدة هاجر صاحبة المعجزة وأرضعت وليدها.
فسمعت صوته يقول لها : لا تخافي في الضيعة فإن ها هنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله .
وصدق ظنها حين قالت لن نضيع ما دام الله معنا .
في ذاك الوقت كان سيدنا إبراهيم يسير في الطريق حتى إذا أخفاه جبل عن زوجته وولده، فوقف ورفع يداه الكريمتين إلى السماء وراح يدعو الله كما جاء في القرآن الكريم :

قال تعالى :
{ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ذرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} [ابراهيم _ 37]

وما هي إلا أيام قلائل حتى هلت بعض القوافل بالقرب من الماء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا فقالوا إن هذا الطائر يدور حول الماء، وما كان هذا الماء من قبل فذهبوا ووجدوا أم إسماعيل عند الماء فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟
فقالت لهم : نعم .
كرم الله سبحانه وتعالى السيدة هاجر بأن أبقى ذكراها عطرة خالدة وأمرنا أن نفعل مثلما فعلت فنهرول عند الصفا والمروة سبع مرات كما فعلت هي رضي الله عنها .

وكان من أسمائها أيضا أم الذبيح، فكلنا يعرف قصة افتداء ولدها إسماعيل من الذبح بكبش عظيم أنزله الله من السماء ليفدي أبو العرب إسماعيل .

إن الاختبارات الإلهية لم تفارق هذه السيدة الصابرة وكانت كلما دخلت امتحاناً نجحت فيه فيكافئها الله عز وجل.
أليس هو القائل: {إن الله مع الصابرين}.

كبر سيدنا إسماعيل وتزوج وكان باراً بأمه مطيعا لها حليماً بها، وهي رضي الله عنها قد وفت رسالتها له ومنحته حياتها بأكملها، فاستحقت بره ومحبته وطاعته.
وماتت السيدة هاجر عن تسعين عاماً ودفنها إسماعيل عليه السلام بجانب بيت الله الحرام، ماتت بعد أن تركت لنا مثالاً رائعاً للفتاة المؤمنة، والزوجة المطيعة الصالحة، والأم الحنونة والمؤمنة، وقد وفاها الله وأجزل فضله عليها فعطر ذكرها وأعظم ذكراها ودفنت بجوار بيته .

وجعل من ذريتها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وأفضل خلق الله إلى يوم الدين.
رضي الله عنها وأرضاها وجعل لنا في سيرتها القدوة الحسنة.

error: النسخ ليس ممكناً