قصة الأم العجوز وزوجة ابنها

مصنف: متفرقات - -
1455 1
قصة الأم العجوز وزوجة ابنها

منذ ثلاثين عامًا كنت فتاة غريرة وزوجة حديثة ترفع شعارات تحرير المرأة وترى الزواج مجرد إجراء اجتماعي لا يترتب عليه أية واجبات،
وشاء الله أن أقيم مع حماتي والدة زوجي، حتى يوفر لي زوجي سكنًا مستقلا بالمواصفات التي أريدها،
وكانت السنوات التي عشتها مع حماتي هي أسوأ سنوات عاشتها تلك السيدة الصابرة،
وكنت أنا للأسف سر هذا السوء فقد أعطيت أذني لنصائح الصديقات بأن أُظهر لها مثلما يقولون العين الحمراء منذ البداية، ولذلك قررت أن أحدد إقامة حماتي داخل حجرتها فقط .

وأكون أنا سيدة بيتها وأعاملها كضيفة ثقيلة! كنت أضع ملابسها في آخر الغسيل دون تغير الماء والصابون، فتخرج أقذر مما كانت عليه، وأنظف حجرتها كل شهر مرة، ولا أهتم بأن أعد لها الطعام الخاص الذي يناسب مرضها وكبر سنها .
كانت عندما تحاول أن تداعب ابني وتلاعبه أقف أمامها بكل غضب، فتدخل غرفتها والدموع تملئ عينيها ولكني كنت أردد دموعك دموع التماسيح لا تلزمنا .
وكانت كجبل شامخ تبتسم لي برثاء وتقضي اليوم داخل حجرتها تصلي وتقرأ القرآن ولا تغادرها إلا للوضوء أو أخذ صينية الطعام التي أضعها لها على طاولة الطعام .
وأطرق بابها بحدة لتخرج وتأخذها! وكان زوجي مشغولاً دائماً في عمله، ولذلك لم يلحظ شيئًا ولم تشتكي هي أيضاً إليه بل كانت تجيبه حين يسألها عن أحوالها معي بالحمد لله وأنها مرتاحة وهي ترفع يديها إلى السماء داعية لي بالهداية والسعادة.
ولم أجهد نفسي كثيرًا في تفسير صبرها وعدم شكايتها مني لزوجي، بل أعمتني زهوة الانتصار عن رؤية الحقيقة حتى اشتد عليها المرض.
وأحست بقرب الأجل فنادتني وقالت لي وأنا أقف أمامها متململة : لم أشأ أن أرد لك الإساءة بمثلها حفاظًا على استقرار بيت ابني وأملاً في أن ينصلح حالك، وكنت يا بنتي أتعمد أن أسمعك دعائي بالهداية لك لعلك تراجعين نفسك ولكن دون جدوى.
ولذلك أنصحك كأم وليس كحماة لكِ بأن تكفي عن قسوتك على الأقل في أيامي الأخيرة، لعلي أستطيع أن أسامحك.
قالت كلماتها وراحت في غيبوبة الموت، فلم تر الدموع التي أغرقت وجهي ولم تحس بقبلاتي التي انهالت على وجهها الطيب .
ماتت قبل أن أريها الوجه الآخر وأكفر عن خطاياي نحوها، ماتت وزوجي يظن أنني خدمتها بعيني، ندمت أشد الندم على معاملتي لها فكلماتها وقعت علي كسكين الذبح، ليتها لم تواجهني لأنها تركتني لندمي ولا تعلم بذلك الندم .
أما زوجي الطيب فكان كل الوقت يدعو لي بالخير لأني بررت أمه وأحسنت معاملتها، وكانت طيبته وحسن معاملته ودعائه لي بالخير يمزق قلبي المفطور عليها .

وبعد مرور سنوات كبر ابني وتزوج ولم يستطع توفير سكن خاص فدعوته للعيش معي في بيتي الفسيح
الذي أعيش فيه وحدي بعد وفاة أبيه، فاستجاب وأدارت زوجته عجلة الزمن
فعاملتني بمثل ما كنت أعامل به حماتي من قبل.

فلم أتضجر، لأن هذا هو القصاص العادل والعقاب المعجل بل ادخرت الصبر ليعينني على الإلحاح في الدعاء بأن يغفر الله لي ويكفيني شر جحيم الآخرة لقاء جحيم الدنيا الذي أعيش فيه مع زوجة ابني،
ويجعلني أتحمل غليان صدري بسؤال لا أستطيع له إجابة ؟!
هل سامحتني تلك المرأة الطيبة، حماتي الراحلة أم أنها علقت هذا السماح على تغيير معاملتي لها
هذا التغيير الذي لم يمهلني الله لأفعله.

error: النسخ ليس ممكناً