قصة حكايات المدينة

مصنف: متفرقات - -
789 1
قصة حكايات المدينة

كان منزلا صغيرا يقع في احدا المدن .وفي هذا المنزل هنالك مطبخ طويل وينتهي هذا المطبخ بوجود غرفة تطل على تلك المدينة التي لا يُرى منها سوى سطوح المنازل ، تلك المنازل التي تتسابق في ارتفاعها مع أشجار السّرو المتخامة لها ، وحينما يتوّجه نظرك في أي مكان فإنه يقع على سطوح العمارات ، والتي بدت بلون العشب الذي يحمل حنينًا إلى التراب .

كانت هناك أجساد تعلو السطوح ، وتشبه في شكلها وحجمها الصناديق ، حتى وإن اختلفت مهامها ، حيث كان منها ما هو محركات للسيارات ومنها أيضًا سخانات شمسية تقوم بتحويل الإشعاع الشمسي إلى طاقة حرارية ، أما الجزء المتبقي من السطح فإنه يحمل هوائيات والتي تم تحويلها إلى طاقة كهرومغناطيسية من أجل البث التلفزي ، والتي إن اختلفت في اتجاهها وحجمها فإنها اتفقت في استقبال البث الإذاعي والتلفزي من خلال جودة عالية ، حيث تقوم بتسلية من كان به ضيق (ضيق المكان وضيق التنفس) .

نظرت ببصري في كل الاتجاهات من الشرق والغرب والشمال والجنوب وما بينهم ، ولكنني عبثًا رغبت في تغيير المشهد ، حيث أن الجدران والسطوح حاصروني ، ثم هبّت زوبعة اخترقت سكون الصبح ،ولولا إصدار أصوات المنبهات من بعض السيارات لخلتها عاصفة هوجاء ، ثم استوقفني صوت منبه سيارة أحد السكان بالعمارة التي أسكن بها ، حيث كان يستحث اتباع السائق ، ثم ذهبت سيدة برفقة ولدين متفاوتين في العمر إلى السيارة .

كان أحد الولدين قصير القامة يرتدي معطفًا ، وكانت رأسه مدسوسة داخل قلنسوة ، فاختفت عني تفاصيل معالم وجهه ، ثم تبعه شاب بدا لي أنه هو الابن الأكبر ، وكان يحمل حاسوبًا وكأنه طالب في إحدى الكليات بتونس العاصمة ، والتحقت بهم أيضًا طفلة صغيرة كانت متباطئة الحركة ترتدي معطفًا لونه أحمر قاني ، وقد ظهرت منه خصلات من شعرها الأسود الفاحم الطويل ، لتبدو كزهرة شقائق النعمان .

انطلقت السيارة بعد أن ركب الجميع ،كان هذا حالهم كل يوم ولا يعودوا إلا في ساعات متأخرة من النهار ، حيث أن جيراني لا زالوا يواصلون صراعهم مع الحياة العملية بجهاد ، حيث يبدؤون يومهم مع حركة المرور والبحث عن مكان يركنون فيه السيارة بعد أن يقوموا بتوصيل أبنائهم إلى الروضة والمدارس والجامعات ، فقلت لجارتي :”إن المترو والحافلات وسائل نقل عمومية ، لماذا لا يركبها الأبناء أفضل ، وهم بهذه الطريقة يعتمدون على أنفسهم؟”.

أجابتني جارتي بقولها :”هم لا يركبون هذه المواصلات هروبًا من المصروفات ، حيث أن ميزانية الأسرة محدودة ، ولولا وجود قروض من البنك لكان كل الموظفين يذوقون الويلات من ارتفاع الأسعار وغيرها من دفع الفواتير ، فالجميع يلهثون وراء الدفع والتسديد ، ثم قطع حديثنا أصوات أطفال ، فأسرعت إلى الشرفة للبحث عنهم ، وكلي حنين إلى الحركة .

كنت أستمتع بمراقبة هؤلاء الأطفال ، فإنهم في مثل عمري ، وقد فروا من ضيق السكن إلى فضاء لم يكن أوسع ، وقد قام الرصيف باحتضان كرتهم البرتقالية التي لم يطل بهم الجري خلفها ، حيث أنها توارت تحت سيارة راكنة أمام العمارة ، وحينها لم يجدوا خيارًا إلا أن يلعبوا لعبة التسابق أو الغميضة ، ويكون أحدهم مغمض العينين وينادي عليه الآخرون من كل جهة ، بينما هو يجري في كل الاتجاهات ليقبض على أحدهم كي يحل محله ، وهكذا نلعب نحن في قريتنا وفي بطحاء الحي نتسابق ونجري وتداعب الرمال أرجلنا كما تداعبها الأرجل .

القصة من أدب الأطفال العربي للكاتبة : فاطمة حامدي

error: النسخ ليس ممكناً