قصة سر القيد المكسور

مصنف: متفرقات - -
1123 1
قصة سر القيد المكسور

يُحكى أن بعض التلاميذ الصغار جلسوا حول شيخهم ينتظرون بفارغ الصبر سماع قصة جديدة مفيدة، رحب الشيخ مجبور بتلاميذه وابتسم في وجوههم ، فنظر إلى قاسم فوجده حزيناً كئيباً سأله بتعجب : ماذا جري لك يا قاسم ؟ أراك حزيناً هذا اليوم على غير عادتك !
تنهد قاسم وقال : وصلتنا أخبار غير جيدة من فلسطين .
فقال زميله عارف : وهل لك أهل في فلسطين ؟
فقال قاسم وقد ظهرت عليه علامات التأثر : نعم يا أخي ، لي أعمام وخلان
فقال زميلهم أحمد : وهل أصيب أحد من أقاربك هناك ؟
هز قاسم رأسه قائلاً : هدم اليهود منزل عمي عمران واعتقلوه مع أبنائه الثلاثة .

شعر الجميع بحزن لهذه المصيبة ، قال الشيخ مجبور : لا تحزن يا بني، إنهم مرابطون مأجورون إن شاء الله سيتدبر أمرهم وحده .
نظر الشيخ إلي تلاميذه وقال : هل تعرفون معني الرباط ؟
قال سعد : أنا أعرف يا شيخ، أنه ملازمة المكان للحراسة والمدافعة والثبات فيه لرد الأعداء عن ديار المسلمين.
تهلل وجه الشيخ مجبور وقال : أحسنت يا سعد وأهلنا في فلسطين في رباط دائم لأنهم صامدون في مواجهة اليهود ولذلك سميت فلسطين أرض الرباط .

تنهد الشيخ وقال : حسناً، إن أقارب حسان وقعوا الأن في الآسر فما هو واجبنا نحوهم .
صاح أحمد : ندعو لهم ..
قال الشيخ : نعم والدعاء سلاح عظيم قد يفعل ما لا تفعله الأسلحة الأخرى .
فقال زميلهم همام بدهشة : وكيف يكون ذلك يا شيخنا ؟
رد الشيخ : ستعرفون ذلك من خلال القصة التي سأرويها لكم، فأنصتوا كلكم لسماع القصة ..

قال الشيخ : في قديم الزمان حصلت معركة بين المسلمين والروم في الأندلس وفي تلك المعركة وقع بعض المسلمين المرابطين في الأسر، وكان أحدهم يدعى محمداً وكان وحيداً لوالديه الكبيرين، حزن والداه عليه حزناً شديداً وذهبا إلى الحاكم ليطلبا منه إرسال مال للكفار لفداء ابنهما الأسير وإطلاق سراحه .
ولكن الحاكم اعتذر لهما لعدم وجود المال الكافي لفداء جميع أسرى المسلمين
فقال أحمد : أعانهما الله كيف سيعيشان بدونه ؟!
فقال الشيخ : إن الله رحيم بعباده يا بني، فعندما رجعا إلى بيتهما حزينين يبكيان رآهما رجل فسألهما عن حالهما فأخبراه فأشفق عليهما ودلهما علي عالم جليل يدعى بقي بن مخلد رحمه الله، وكان هذا العالم من خيرة علماء الأندلس وله كتب كثيرة في التفسير والحديث .
فذهبا إلى دار هذا العالم ليخبراه بقصة ابنهما .

وعندما وصلا إلى العالم ذكرا له ما وقع لابنهما فتألم لحالهما وأشفق عليهما ثم طلب منهما أن يكثرا من الدعاء له، وخاصة في أوقات استجابة الله للدعاء ،وذكر لهما أوقات اجابة الدعاء وبينها أن بعد العصر إلى الغروب فإنه من أوقات إجابة الدعاء، وكان العالم بقي بن مخلد معروفاً بأنه مجاب الدعاء ولذلك جعل يدعو له في مثل هذا الوقت وكذلك دعت له أمه وأبوه وفي هذا الوقت نفسه كان محمداً مقيداً بالسلاسل لدي الصليبيين وكان ينقل لهم الحجارة الثقيلة بناء الحصون وبينما هو كذلك والحراس من حوله يراقبون إذ سقطت القيود من يديه .

وعندما رآه الحراس ظنوا أنه يحاول الهرب، فانهالوا عليه ضرباً بالسياط .
فقال لهم : لم أفعل شيئاً، لقد سقطت وحدها .. انظروا .
فنظروا إلى القيود وقلبوها فرأوها علي حالها لم تنكسر فتعجبوا كيف سقطت من يديه ، حاولوا إعادتها وادخالها فلم تدخل في يديه، ففكوها واعادوا ربطه بها من جديد .
وفي اليوم التالي سقطت القيود مرة أخرى فتعجب الحراس وأعادوها ،فعادت وسقطت من يديه، فأصابهم الذهول لذلك فاحتاروا ماذا يفعلون ؟
وبينهما هم علي هذه الحالة إذ مر بهم قائد من قادتهم ومعه قسيس كبير وجنود مسلحون، وعندما أخبروا القائد والقسيس والجنود بما شاهدوه تعجبوا من ذلك .
فقال القسيس للقائد : أرجو أن تسمح لي بمقابلته ؟
فسأله القائد : ولماذا تقابله ؟ أجاب القسيس : لابد أن هناك سبباً لفك قيده ولابد أن نعلم هذا السبب وذلك لئلا يجعل جنودك مسلمين .

هز القائد رأسه وأذن له بمقابلته، ولما رآه القسيس صار يفكر في طريقة يعرف من خلالها سر فك القيود وسقوطها من يديه .
ثم سأله : هل تركت دين الإسلام واتبعت النصارى !!
فقال الأسير محمد : لا أبداً، ولن يكون هذا ، فأنا مسلم ومؤمن بالله الواحد .
فقال القسيس : حسناً هل كنت يتيماً في صغرك ؟
فأجاب محمد : كلا فأبواي حيان طيبان ولكنهما كبيران في السن ولا ولد لهما غيري .
تهلل وجه القسيس وصاح : لقد عرفت سر فك القيود والآن، ثم فالتفت إلى القائد وقال : مولاي إن هذا الشاب وحيد والديه فرحمة بهما وشفقة عليهما أظهر لنا الرب هذه العلامة وهي سقوط القيود من يديه من أجل إطلاق سراحه، ولذلك أرجو أن تتكرموا بالعفو عنه .

وهكذا أرسلوه مع فرسانهم إلى حدود المسلمين ثم تركوه هناك ليرجع إلى والديه، فوجدهما يبكيان ويدعوان الله أن يفك قيده .
عندما رأه والده غمرهما الفرح والامتنان لله وحده فهو من فك قيده وأسره .
ثم ذهبا جميعاً إلى العالم الجليل بقي بن مخلد وأخبروه بما حصل فسأله عن الساعة التي كان يحصل فيها فك القيد فذكر له إنها الساعة التي تسبق غروب الشمس، فوافق ذلك وقت دعاء الوالدين والعالم بقي بن مخلد له .
فقال الشيخ : لذلك يا أبنائي علينا بالدعاء لأسرى المسلمين وخاصة الذين يعيشون في سجون اليهود في فلسطين، وفي كل مكان، توجه الجميع إلى القبلة وجعلوا يبتهلون إلى الله تعالى بالدعاء .

error: النسخ ليس ممكناً