قصة قارورة الماء

مصنف: متفرقات - -
1116 2
قصة قارورة الماء

يُروى أن بعض التلاميذ وطلاب العلم حضروا مجلس عالماً جليلاً من علماء الإسلام ذا مال وجاه، وبينا هم كذلك إذ دخل عليهم رجل غريب لا يعرفونه، ولا يبدوا عليه مظهر طلاب العلم، ولكن بدا للوهلة الأولى عزيز القوم الذي أذلته الحياة.
دخل وسلم، وجلس حيث انتهى به المجلس، وأخذ يستمع للشيخ بأدب وإنصات، وفي يده قارورة فيها ما يشبه الماء لا تفارقه.
قطع الشيخ حديثه، والتفت للرجل الغريب، وتفرّس في وجهه، ثم سأله: ألك حاجة فنقضيَها لك أيها الضيف ؟! أم لك سؤال فنجيبك؟!
فقال الضيف: لا هذا ولا ذاك، وإنما أنا تاجر، سمعت عن علمك وخلقك، فجئت أبيعك هذه القارورة التي أقسمت ألّا أبيعها إلا لمن يقدّر قيمتها، وأنت حقيق بها.
قال الشيخ : أعطني القارورة حتى أراها .
فناوله إياها، فأخذ الشيخ يتأملها ويحرك رأسه إعجابا بها، ثم التفت إلى الضيف .
فقال له: بكم تبيعها ؟ قال : بمئة دينار .
فرد عليه الشيخ : هذا قليل عليها، سأعطيك مئة وخمسين.
فقال الضيف: بل مئة كاملة لا تزيد ولا تنقص.
فقال لابنه ادخل عند أمك وأحضر مئة دينار من الصندوق، وفعلا تسلم الضيف المبلغ، ومضى في حال سبيله.
ثم انفض المجلس، وخرج الحاضرون وكلهم متعجب من هذا الماء الذي باعه بمئة دينار!
دخل الشيخ إلى مخدعه للنوم، ولكن الفضول دعا ابنه إلى فحص القارورة ومعرفة ما فيها، حتى تأكد بما لا يترك للشك مجالا أنه ماء عاديّ !
فدخل إلى والده مسرعا مندهشا صارخا : يا حكيم الحكماء، لقد خدعك الغريب، فو الله ما زاد على أن باعك ماء بمئة دينار، ولا أدري أ أعجب من دهائه وخبثه، أم من طيبتك وتسرعك!

فضحك الشيخ حتى بدت نواجذه، وقال لولده : يا بني، لقد نظرت ببصرك فرأيتَه ماء عاديًّا، أما أنا: فقد نظرت بنور بصيرتي فرأيته جاء يحمل في القارورة ماء وجهه الذي أبت عليه عزة نفسه أن يريقه أمام الحاضرين بالسؤال عن حاجته، وكانت له حاجة في مبلغ يقضي به حاجته لا يريد أكثر منه.

والحمد لله الذي وفقني لإجابته، وحفظ ماء وجهه أمام الحضور، ولو أقسمت ألف مرة أن ما دفعته فيه قليل ما حنثت بيميني .

error: النسخ ليس ممكناً