قصة نوح عليه السلام

مصنف: قصص الانبياء - -
1202 0
قصة نوح عليه السلام

لقد أرسل الله تعالى للبشرية جميعًا الأنبياء والرسل لهداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، فأرسلهم الله بالكتب المقدسة والمعجزات كذلك ، فلم يرسل الله تعالى ملكًا ليدعو إلى سبيل الله ، وإنما الله أرسل بشرًا لكل قومٍ ، لكي يتكلم بألسنتهم  وجاءت  المعجزة لكي تتناسب مع الزمن والمكان .

ولقد عانى الرسل في دعوتهم لله وطريق الحق ، فكان أهلوهم وأقوامهم يؤذونهم ومنهم من حاول قومه قتله والبعض الأخر تم قتلهم ، ولكن الله جل في علاه ، كان يُلهمهم الصبر على البلاء ، فالدعوة لطريق الله ليست بالأمر الهين ، ومن أمثال الرسل الذين عانوا في دعوتهم لسبيل الله تعال هو  نبي الله نوح – عليه السلام .

وكان اسمه نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ أي أدريس وينتهي نسبه إلى شيث عليه السلام بن آدم أبي البشر ،  وعرف قبل النبوّة بالصلاح ، والسيرة الحسنة ، والاستقامة ، والخلق الرفيع والمحبة من الناس .

وذكر نوح عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم في  حوالي ثلاث وأربعون موضعاً ، وذكر في القرآن الكريم سورة باسمه (سورة نوح) ؛ وبسبب تحمل الأذى الكبير من قومه ، صنّفه الله سبحانه وتعالى من أولي العزم  من الرسل . ولُقِبَ نوحٌ – عليه الصلاة والسلام – بأبي البشر الثاني ، حيث أن أولهم هو آدم – عليه السلام – ، ولقد ورد ذكره في التوراة كما ذُكر في القرآن كذلك، ولقد عاش بعد آدم – عليه السلام – بحوالي ألفٌ وستمائة عام . وكان سيدنا نوحٍ هو أول نبيٍ يبعثه الله بعد النبي إدريس – عليه السلام ، كان نوح عليه السلام أطول البشر عمرًا ، ويُروى أنه يوم وافته المنية جاءه ملك الموت يقول له يا أطول الناس عمرًا كيف وجدت الدنيا فقال وجدتها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الأخر .

كان نوحٌ يعمل نجارًا في زمنٍ كان يطول فيه عمر الإنسان ، ويعيش فيه طويلًا ، وكان القوم حينها يعبدون الأصنام من دون الله ، فبعث الله فيهم نوحًا نبيًا وكان عمره حينها ثمان مائةٍ وخمسون عامًا ، وكان يدعوهم ليعبدوا الله وحده ولا يشركون به شيئًا وأن يتقوه ويؤمنون به وأن يكونوا مصلحين. ولكن ما كان ردهم على دعوته إلا أن يضربونه في كل مرة حتى يفقد وعيه تمامًا ، وكلما أفاق وعاد له وعيه اتجه إلى الله – سبحانه وتعالى – داعيًا “ربِ اهدِ قومي إنهم لا يعلمون” فيعودون إلى ضربه حتى تسيل الدماء من أذنيه ويفقد وعيه من جديد ، فيلقونه في بيته أو على عتبة داره فاقدًا للوعي  .

وقد أخبرهم نوح – عليه السّلام – أنّه لا يرجو من وراء دعوته إلى الله – سبحانه وتعالى – أيّ أجر ، بل أنّه يبتغي كلّ الأجر من الله وحده ، قال سبحانه وتعالى : ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ )  سورة الشعراء الآية 109 .  فما هو إلا عامل لله، ومبلِّغ لرسالة ربّه ، غير أنّ قومه لم يستجيبوا له ، وقد وصفوا ما دعاهم إليه بالضّلال ، فقالوا : ( قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ )  سورة الأعراف الآية 60 .  وليس ذلك فحسب ، بل أنّهم قد أصرّوا على عنادهم ، وكفرهم ، وشركهم بالله وحده ، قال سبحانه وتعالى: ( وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) سورة نوح الآية 23 .  وكان نوحٌ – عليه الصلاة والسلام – يدعو قومه بالليل والنهار ، ويحذّرهم من عاقب الله لهم ، ورغم ما تعرّض له من أذى وعذاب استمرّ في دعوته ، ولم ييأس من روح الله ، وقد اتّبعه القلة من فقراء قومه حيث يقدرون ثمانين نفساً ، وكان من بينهم أبناءه الثلاثة “سام ، وحام ، ويافث” ، أمّا الابن الرابع كنعان فلم يتبعه .   أصرّ قوم نوح عليه الصلاة والسلام على الكفر والعصيان ، والعناد بوجه الحق ، وحاربوا كل الضعفاء الذين آمنوا مع سيدنا نوح علية السلام ، وغضب الله – سبحانه وتعالى – على قوم نوح حينما رآهم يكيلون لنبيه السباب والضرب .

وهم يعبدون أصنامًا وأوثانًا ما هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم ، ما أنزل الله بها من سلطان ، فعاقبهم الله بأن أعقم نساؤهم وجعلهم غير قادرين على إنجاب الأطفال أربعين سنة ، وكذلك ابتلاهم الله – عز وجل – بالجفاف وقلة المطر ، فأصبحت الزروع يابسة وأراضيهم بورًا ، حتى افتقروا وكادوا يهلكون جميعًا . وأحثهم نوح على الاستغفار ودعاهم لسبيل الله مرة أخرى فقال لهم ” استغفروا ربكم إنه كان غفارًا ” وأخبرهم نوح – عليه الصلاة والسلام – أنهم إذا استغفروا الله تعالى ، سيغفر لهم وينزل المطر ، ويمدهم بالمال والأبناء ، ويمنحهم سعة الرزق ، وأن هذه الأصنام التي يعبدونها لا تملك من لنفسها ضرًا ولا نفعًا ، فكيف لها أن تنفعهم أو تضرهم ؟ لكن قومه رغم الابتلاءات والمصائب التي حلت بهم ، إلا أنهم لم ينصتوا له ، ولم يؤمنوا بالله ولم يستجيبوا لدعوته إلى الله ، وقد رأوا أن كل من آمن معه كانوا من الفقراء الضعفاء فتكبروا عليه ووصفوه بالجنون . بل طلبوا منه أن يطرد الذين آمنوا معه ، ويكف عن مصاحبتهم ، لكن نوحًا – عليه الصلاة والسلام – لم يستسلم حينها ، وظل يدعو إلى الله بكل قوته ،  على أملٍ أن يهتدي قومه ، وظل يؤكد لهم ، أنه لا يدعي الملك وأنه ليس ملكًا ، ولا يملك الخزائن فالخزائن لا يملكها إلا الله – جل وعلا – ، وأنه لن يتخلى عن الذين آمنوا معه حيث أن تخليه عنهم فيه ظلم لهم وأنه لن يكون من الظالمين . وهدده قومه إن لم ينته عن تلك الدعوة ، سوف يعذبونه ويرجمونه بالحجارة ، ولكن نوحًا – عليه الصلاة والسلام – تحداهم ولم يستسلم لكلامهم وتهديدهم ، ورغم أنه ظل يدعوهم لعبادة الله ، وترك الأوثان التي يعبدونها ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا ، إلا أنهم مازالوا على جهلهم ، وتمسكوا به أكثر وطلبوا منه أن يثبت صدقه بأن يأتيهم بالعذاب ، الذي يعدهم به ولكنه قال لهم أن من يأتيهم بالعذاب هو الله تعالى .

وبعد أن يئس نوح – عليه الصلاة والسلام – من أن يؤمن قومه ، دعا عليهم فقال : ( وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا. إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا ) نوح – 26 : 27 . فاستجاب الله سبحانه وتعالى لدعاء نوح .  وأوحى إليه أن يزرع النخيل وظل قومه يسخرون منه وهو لا يكترث بهم ، وبعد خمسين سنة أوحى إليه أن يصنع سفينة ، وأرسل الله له جبرائيل يعلمه كيف يصنعها ، فكان طولها ألفًا ومائتي ذراع ، وعرضها ثمان مائة ذراع ، وطولها في السماء ثمانين ذراع .  وقال له الله أن ينادِ على من آمن معه من قومه ليعاونوه في صنعها ، حيث قال الله تعالى : ( وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ وَاصْنَع الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) سورة هود الآية 36 – 37 ، وظل الكافرين من قومه يتعجبون من أمره ، ويسخرون منه كلما مروا عليه ، إذ يصنع سفينة في البر ، ولقد صنعها بدقة عالية ومهارة أيضًا .كان لنوح – عليه الصلاة والسلام – زوجتان ، إحداهما مسلمة وهي عمورة بنت ضمران وهي من أوحى له الله أن يتزوجها ، وبشره بأنها أول من يؤمن معه ، ورغم أن قومها عذبوها وسجنوها ، إلا أنها أصرت على إيمانها ، وأنجبت له ابنه سام – عليه السلام -، والثانية كافرة لم تؤمن حتى بعد كل ما بينه لها من الآيات .

وبينما كانت امرأة نوح تخبز في تنورة نبع منه الماء ، وتفجرت العيون في الأرض ونزل المطر بغزارة ، والتقى ماء الأرض والسماء فارتفعت الماء وسارت السفينة ، وركب مع نوح من كل الحيوانات زوجين اثنين . ولبَّى نداءه ثمانين فقط من قومه هم من آمنوا معه ، وكان له ابنه كنعان كان خائفًا عليه من الغرق فالبلاء يحيط به من كل جانب إلا أنه أصر على كفره وأخبر نوح – عليه الصلاة والسلام – ، بأنه سيعتصم بالجبل من الماء ، لكن لا عاصم من أمر الله إلا من رحمه الله ، وظل الماء يرتفع ويرتفع حتى وصلت لمكة المكرمة ، وطافت بالبيت الحرام .  وقد غرق كل من في الأرض حتى الجبال ولم يبقَ إلا البيت العتيق ، ويقال أنه تهدم لم يبقى إلا القواعد التي بنى سيدنا إبراهيم عليه السلام وولده اسماعيل علية السلام البيت منها مرة أخرى ، واستمر فيض الماء أربعين يومًا حتى غرق كل من في الأرض جميعًا ، إلا المؤمنين .  وأمر الله السماء بأن تكف عن المطر ، وأمر الأرض أن تبتلع ماءها ، وهدأت العواصف ، وقد أمره الله بأن يهبط من السفينة ومن معه فقد رست السفينة على جبلٍ في تركيا اليوم  واسمه الجودي ، قال تعالى : (  وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) سورة هود الآية 44 ،  وانتشر نوحٌ ومن معه من المؤمنين في الأرض عمروها وزرعوها مستعينين بالله وما آتاهم من قوة وحيواناتٍ ودواب .

error: النسخ ليس ممكناً